تفرض جائحة كورونا التي تصيب البشرية منذ عدة أشهر طرح التساؤلات والمقاربات والمقارنات والمفارقات، وهو أمر منطقي اعتاد عليه الإنسان على مر دورة التاريخ البشري، فهو الذي تعرض ويتعرض للأحداث بكل أشكالها وأنواعها، بما تفرضه من ثوابت وما تجلبه من متغيرات.
ولا بد ذات مرة من طرح أمثلة من باب النقد عن المنظومات الصحية والطبية لبني البشر على اختلافها، وذلك عطفا على مخرجات الوباء ونتائجه، مع عودة تاريخية محدودة إلى الوراء قبل وقوعه، واستشراف بعض الشيء بالمستقبل.

أمثلة من الغرب

وفي نموذج عملي من الواقع، ومن القارة العجوز والنموذج رياضي طبي.
على سبيل المثال لا الحصر؛ تعالج إصابات الرياضيين المحترفين ولاعبي كرة القدم بتفان ودقة وسرعة واحترافية واهتمام، لأن هذا الشخص، وفقا لاقتصاديين كثر ومعطيات منشورة، ينتج كثيرا من الأموال وهنالك من يدفع له تأمينا صحيا بآلاف وربما ملايين اليوروهات.

مثلا فإن الطاقم الطبي لأحد الأندية الأوروبية الثرية بذل جهودا كبيرة خلال إصابة أحد النجوم السابقين عقب تعرضه لكسر في عظم الساق، في محاولة لإعادته إلى الملاعب بأقل من الفترة الطبيعية ليتمكن من فك الجبيرة واللحاق بالركب في إحدى المباريات المهمة في وقت أقل من الاعتيادي (14 -21 يوما).
الحقيقة لا أعرف شخصيا إن كان ذلك قد حصل فعلا وفيما لو فكت الجبيرة بعد أيام أقل من المتوقع، لكن يكفي الخبر الترويجي ذاك والحديث حوله فترة من الزمن لتبيان كيفية التعاطي الطبي النوعي عالي الاهتمام بالرياضيين المحترفين، وهو وفق المصادر لدوافع اقتصادية.

وهذه المحاولات المستعجلة المتفانية جرت في مناسبات عديدة تتعلق برياضيين ومشاهير كثر، ولا يتم الحديث خلالها إطلاقا عن التكاليف الباهظة والندرة في الحالات والدفع النقدي وكثير من الأشياء الأخرى.
ربما وقعت وتقع أخطاء طبية وحالات خلل في علاج بعض الرياضيين، ولكن الصبغة العامة هي الاهتمام الفائق والعلاج السريع.

مسؤول في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وصف ذات مرة لاعبي الكرة في الفرق المحترفة بالرجال الآليين الذين يدرون المال، من باب الشعور بالفخر في قدرتهم الفائقة على الإنتاج وخلق سوق اقتصادي مواز، وليس بدافع احترام قدراتهم كبشر متميزين عن غيرهم فحسب، حيث جاء حديثه قبيل توزيع جوائز فردية، معربا عن قدرة هؤلاء على فعل المستحيل وداعيا إلى إطالة إجازاتهم حتى يقدموا مزيدا من العروض التي تجلب الأرباح. ومتناسيا ضرورة تقدير كرة القدم باعتبارها الرياضة الأولى شعبيا حول العالم والتي تجمع قلوب البشر بإنسانية لحظاتها وذاكرتها لا بتجاريتها.

وهذا يقدم ربما سبب إصلاح هذه الروبوتات سريعا وبدقة حتى يستمر المساهمون في جني الأتعاب.
ومن باب وجود عقد بين اللاعب والنادي يحترم قدراته وحقوقه، تتمكن القوى المتنفذة في رأسمالية الكرة من إخفاء تلك الوقائع بسلاسة ودون ضوضاء.
ولا بد من الإشارة هنا إلى المقالة هذه ليست ذات طابع رياضي، بل تلك أمثلة تخدم تقديم الفكرة وترتبط بالرياضي والمادي والاقتصادي والصحي.

في المقابل، حين يتعلق الأمر بصحة عامة الناس ممن يصنفون جيدي ومتوسطي الدخل وبالرغم من كونهم منتجين ولكن بدرجات أقل بكثير من المشاهير والرياضيين، ويدخل معهم ضمن القائمة في آخر التصنيف أصحاب حد الكفاف، فحين يتعلق الأمر بهؤلاء تختلف المعادلة الصحية تماما، وتزول كثير من عوالم الدقة والسرعة والاحترافية والاهتمام الطبي والصحي تلك الموجودة للمشاهير، و تتراجع معها معدلات الإنسانية تجاه المصاب أو المريض.

والواضح في هذه الحالة أن الإنسان يصنف كـ«مريض منظومة» وعلى قدر الحاجة منه، ولا يمكن التعامل معه سوى كذلك من منطلق المادة والرأسمالية المادية، وبما يتناسب مع «سيستيم» العمل والفكرة التي يقوم عليها كل شيء في هذه الدول.

ويمكن هنا الاهتمام بمدى قدرتك على الدفع بدرجة أهم من كونك مجرد إنسان، فمفهوم الإنسانية تجاه حالتك الصحية يتناسب طردا مع توفر غطائك الرأسمالي الذي يمكنه البذخ على شركات التأمين والمضطرين للوقوع تحت سطوتها من أطباء ورعاة مسنين وممرضين و مستشفيات ومؤسسات صحية. ولنا تصور أن كل هذه الحالة الطبية بأشخاصها ومنظماتها هم من الواقعين تحت سلطة شركات التأمين وضغطها، وتتأثر كثير من قراراتهم بها، وهذا يوضح حجم التوجيه المادي في مسألة الطبابة، التي يفترض أن تحمل جوانب أخلاقية منفصلة تماما عن المادية وأكثر تأثيرا في اتخاذ القرارات الوقائية والعلاجية.

وهناك أمثلة أخرى طفت على السطح مؤخرا، تتعلق بالتخيير في العلاج حين يكون الوضع صعبا أو شبه ميؤوس منه، وكذلك سؤال المسنين والمرضى المزمنين وذوي الأمراض العقلية الخلقية والإصابات الفادحة حول استكمال العلاجات من عدمها، وهذا كله قبل مجيء الكورونا، وترسخ معها في كيفية تعاطي دول أوروبية من بينها هولندا، مع المسنين المصابين وتخييرهم المسبق بالحصول على علاج وجهاز تنفس من عدمه في حال اشتداد أعراض المرض.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية تتجه عدد من الولايات عرف منها ألاباما وواشنطن وأريزونا إلى التوقف عن تقديم الرعاية الطارئة في المستشفيات لمرضى متلازمة داون والأمراض العقلية في حال إصابتهم بفايروس كورونا، والتمييز بينهم وبين المرضى السليمين عقليا في تقديم الرعاية ضد الفايروس.

كما نشرت وسائل إعلام أمريكية وعالمية حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة في الحزب الجمهوري حول نيتهم أن «لن نسمح أن يصير العلاج أسوأ من المرض نفسه»، في إشارة إلى إمكانية تسريع عجلة رفع الإجراءات الوقائية، والتضحية بفئات منها المسنون والمرضى المزمنون منعا من تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصادي وتراجع النمو الاقتصادي، وفقا لما نقل عنهم.

قرارات في فرن الطبخ

ويبدو أن التعامل مع المرضى العامة يبالغ في مراعاة الكمية والنوعية إلى حد لا تعلم معه هل الطبابة نوعية أم كمية؟ أم هي تعتمد فقط على كل هذا التعقيد الحسابي قبل القيام بها إلى درجة تخلو فيه من الشق العاطفي وتصير مسألة حساب تكاليف جافة قبل الدخول في الجانب العلمي المتعلق بالطب؟

وعليه فإن كمية كبيرة من المرضى تعني مشكلة تسلتزم وقتا أطول بكثير للتعامل معها وتجاهلا وتأخيرا بغرض إدارة الأزمة والوقت والانتقاء الأمثل، تزامنا مع إجراء عمليات حسابية احتمالية ومخططات ثم اتخاذ قرار نحو علاج أو رعاية أو وقاية.

في المقابل نوعية متطورة من الإصابات والأمراض تعني مشكلة تستلزم وقتا أيضا وتأخرا في الاستجابة واتخاذ القرار، وهذا الكلام كله عن عامة الناس كموضوع للدراسة، وليس عمن يمتلكون الغطاء المالي الذي يمكن حلبه كما تحلب المواشي.

ولو كانت الحالة وباء، فنحن أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا وتمر بقنوات أكثر، فإضافة إلى كل التعقيدات الإجرائية الكمية والنوعية التي تحولت إلى جوهرية بفعل الروتين والبيروقراطية وطول السلسلة، وبغض النظر عن اللامركزية المفرطة في المؤسسات الطبية وتشتت مصادر القرار، ورغم وجود مركزية ما عندما تكون هناك ضرورة لحسم مسألة ما، وبالرغم من وجود هوامير التأمين والشركات التي تحكم وتستحوذ، يبرز هنا السياسيون، فهم سيضيفون إلى فترة الانتظار وبطء اتخاذ القرار، فترات جديدة ومعايير وتعقيدات، وربما يعرقلون اتخاذ قرار ما أو يؤخرونه ما يتسبب باستياء الحالة. وقد يلجؤون إلى تسييس كل ذلك، وعرقلة الأمور خدمة لمصالح طبقة سياسية وفئة اقتصادية، وهذا كله يمس المادية والرأسمالية في جوهرهما كأفكار، ويصيبهما في مقتل مع الوقت، مثلما أصيبت ذات يوم الفكرة الاشتراكية وما رافقها من سياسات بمقتل أدى لانفراط الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي، وهذا بطبيعة الحال مجرد تقدير وتحليل وليس مسلما به.

ولعل تأخر الدول الأوروبية والغربية في التعامل مع الفايروس في بداية زحفه إلى القارة العجوز، وتقليل سياسييها من خطره دون اطلاعهم الكافي طبيا، ودون مراعاة لما يحدث في الدول الأخرى التي زحف إليها قبل قدومه إليهم، قدم دليلا على كيفية إدارة الأوبئة المحكوم باللامركزية والمزاج الذي تسلكه النيوليبرالية في خوضها غمار السياسة وإدارتها دفة الحكم والسوق ودور الفرد والجماعة البشرية في خدمتهما.

إلى الوقت الذي غرقت فيه إيطاليا في كارثتها دون معين أوروبي أو غربي، ثم وصولا إلى مرحلة ادعى فيها عديد السياسيين الأوربيين القدرة الوطنية على احتواء الوباء رغم تفشيه، وقبل أن نصل إلى حالة اعتراف البعض باحتمالية خسارة أرواح كثيرة ربما لدوافع اقتصادية رأسمالية لديهم أو تمهيدا للمراحل الأصعب. وأخيرا وليس آخرا الوصول إلى حرب الكمامات والمعدات ومواد التعقيم بين تلك الدول على وجه الخصوص، قبل أن يعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على سبيل المثال لا الحصر، أن بلاده لم تكن جاهزة للتعامل مع الوباء، وقبل أن يعترف كثير من الأكاديميين والخبراء في العلاقات الدولية والطب نفسه، أن الاتحاد الأوروبي مثلا تعاملت كل دولة من دوله بأنانية وفقا لرؤى سياسييها ورغباتهم ومزاجهم وزجهات ندرهم غير الدقيقة حول الفايروس.

ومؤخرا برزت الرغبة في دول داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة فتح الأسواق والرفع التدريجي الأسرع من المتوقع للحظر المفروض، رغم كون الوباء لم يبلغ مداه في الانتشار، وقدرة الدول على التحمل أكثر وخماية عمال القطاعات الهامشية التي قرروا إعادة تشغيلها.

ولعل إطالة الأمثلة والتحليل أعلاه حول المجال الغربي والأوروبي في تعاطيه الطبي، يتناسب طردا مع كون هذا المجال في مفهوم العلاقات الدولية والسياسة والاقتصاد يتضمن دول المركز في صناعة القرار، وباعتبار صدى خطواتها هو الأهم عالميا، فهي المتفوقة والأكثر تقدما وتطورا وتأثيرا في هذه المرحلة من التاريخ البشري.
وللحديث تتمة في المقالة القادمة،
يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زمن, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد