لماذا ذهب غالبية زعماء العالم إلى وصف الوضع العالمي الحالي بالحرب؟ هل هي استراتيجية دولية لمواجهة الوباء؟ أم أن أسوأ المخاطر التي يتوقعها القادة تهدد شعوبهم هي الحرب؟

استخدم العديد من قادة العالم في بداية انتشار فيروس كورونا Covid_19 ترمونولوجيا حربية Terminology of war، رغم أن غالبية شعوبهم لم تعش يوما حالة حرب، وقد تتحد أسباب هذا الاستخدام في عدة عوامل سنذكرها فيما بعد.

البداية بالصين التي كانت بؤرة بداية انتشار فيروس كورونا بداية هذه السنة، حين أعلن الرئيس Xi Jinping عن شن «حرب الشعب» ضد فيروس كورونا. بعده خرج الرئيس الفرنسي Macron في خطاب للفرنسيين ليعلن على أن فرنسا في حرب ضد عدو «خفي ومراوغ». وفي نفس السياق قال المفوض الإيطالي الممسؤول عن حالة الطوارئ لمواجهة فيروس كورونا بأن إيطاليا يجب أن تجهز نفسها لـ«حرب اقتصادية». ولم يخرج رئيس الوزراء البريطاني Boris Johnson عن هذا السياق حين خاطب البريطانيين وأشار إلى أنّ هنالك صراعًا يستهدف كل مواطني البلد بشكل مباشر دون استثناء. أمّا Donald Trump فقد راجع كل ما كان يقول ليصف نفسه «بالرئيس زمن الحرب».

أراد قادة العالم إضفاء الطابع الأمني والحربي على الجائحة، رغم أن العدو إن كان ممكنا وصفه بالعدو، لأنه بهذا المنطق سيكون الإنسان أفتك أعداء الطبيعة بالمقابل. هذا الوباء الذي لن يحتاج في مواجهته إلى جزء عظيم مما يوظف في الحرب «التقليدية». قد يكون المقصود أن ينبه القادة شعوبهم المستهترة إلى خطورة الجائحة لكن استعمال المعجم الحربي قد كان له دور آخر، وهو نشر الخوف والهلع في أوساط الشعوب ما دفع ببعضها إلى التهافت على الأسواق الكبرى لتخزين المواد التموينية بل منها من شهد زيادة واضحة في مبعيات الأدوية المحظورة وكذا الأسلحة النارية.

أجج معجم القادة الحربي الخلافات والصراعات التي طفت على السطح، وهذا ما لمسناه في بعض خرجات المسؤولين تارة عتابا للحلفاء وتارة أخرى اتهاما «للأعداء». في حين أن الجائحة التي تضرب العالم اليوم تستدعي نوعا من التضامن والتعاون العالميين.

استخدم العديد من هؤلاء القادة معجما حربيا لحشد الشعوب وتنبيهها إلى خطورة الوباء الذي يجتاح العالم كله وكذلك إلى التغييرات الجدرية التي ستشهدها حياتهم اليومية على كل المستويات. لكن لا يمكن لكل هذا أن
يمر دون أن نفترض أنّ هذا التوجه الى النهل من معجم حالة الحرب يظهر وجها آخر من وجوه الأنظمة الحاكمة للعالم، «فالحرب كما هو معروف تعني عددا كبيرا من الضحايا، من قتلى وجرحى ودمارا هائلا». وهذا ما كنا نراه يوميا في مناطق الصراع حول العالم، والتي يشارك فيها جل هؤلاء القادة بجيوشهم أو بأسلحتهم أو أموالهم أو بها مجتمعة دفاعا عن مصالحهم.

فالحرب وما يرافقها إذن هي أنجع سيناريو يمكن أن يتصوره زعيم من هؤلاء الزعماء السياسين ويتخدها إطارا عاما لكل القرارات والتدابير والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي سيواجه بها هذه الأزمة وتداعياتها، التي أسقطت بلدانهم وأضعفت اقتصاداتها وجعلت منهم في أحيان كثيرة لا يدرون ما بفعلون وأي قرار تتخدون إلا التأكيد على أنّ هذه الحرب سينتصر فيها، على غير عادة الحروب، من يبقى في البيت ويلتزم بالحجر الصحي والتدابير الوقائية.

الجائحة لا يمكن أن تحارب اليوم بالقنابل الكيماوية ولا النووية، ولا تنفعة معها الطائرات ولا الصواربخ ولا الذبابات، هذا الزاد الذي تسابق القادة في ما مضى إلى جعله ركيزة اقتصادية مهمة لبلدانهم، بل السعي
إلى اختلاق صراعات إقليمية في مختلف مناطق العالم تتغدى عليها تجارة الأسلحة التي تضاعفت في السنين الخمس الأخيرة.

لقد أظهرت هذه الجائحة إلى أن العالم يجب أن يعيد النظر في هذا الكم الهائل من الأموال التي تستثمر في التسلح من مجموع الناتج الداخلي العالمي، فالدول مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تحمي شعوبها من المخاطر والكوارث وكذا الأمراض والجوائح، وهذا ما نصح به هنري كسينغر وزير الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية الأسبق بلاده، ويمكن أن تلتقط منه كل دول العالم الإشارات، حين قال «الولايات المتحدة يجب أن تحمي مواطينها من الأوبئة وفي نفس الوقت تبدأ عاجلا في التخطيط لحقبة عالمية جديدة»  هذه الحقبة التي ذهب العديد من الخبراء إلى خلاصة مفادهما أن عالم ما بعد جائحة كورونا لن يكون شبيها بما كان قبلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد