الموجة الثانية من الاحتجاجات والثورات العربية أو كما تسمى (الربيع العربي)، انطلقت مرة أخرى في عام 2019م في العديد من الدول العربية مثل: الجزائر، والعراق، ولبنان، والسودان، وهذه الموجة كان من المفترض أن تستمر خلال بدايات العقد الثالث من الألفية الثالثة، ولكن الحدث الذي زلزل وضرب العالم كله، هو انتشار فيروس قاتل يسمى كوفيد – 19 (كورونا) الذي انطلق من الصين وتحديدا من مدينة ووهان، ليغزو العالم كله، وكان للمنطقة العربية نصيبا من هذا الغزو، وكبقية دول العالم شلت الحركة بكل المرافق والقطاعات، كإجراء للوقاية من الفيروس والحد من انتشاره، وبالتالي لم تكن الثورات والاحتجاجات التي عمت شوارع بعض الدول العربية باستثناء عن هذا الوضع.

يمكن القول أن الموجة الثانية وحتى انتشار الفيروس قد حققت بعض النجاحات على الأرض وبشكل ملموس، ففي الجزائر قدم بوتفليقة استقالته، وكذلك في السودان أُسقط البشير، أما العراق وليبيا فحكومة كلا البلدين قد استقالت على إثر الاحتجاجات، وقد كان الشارع العربي مستمر في احتجاجاته ولم توهمه تلك التنازلات، بل طالب بإسقاط المنظومة جمعاء، وهنا نرى تطور الوعي الفكري والسياسي لدى المواطن العربي بمطالبه وأهدافه، مقارنة بالموجة الأولى من الثورات عام 2011م، لذلك ورغم الجائحة التي حالت دون استمرار الثورات، يبقى هذا حدث مؤقتًا، واحتمال عودة الناس إلى الشوارع بعد انقضائه واردة جدًا.

إن ما أنتجته وما زالت تنتجه جائحة كورونا من ضرر على الفرد والمجتمع، وفشل الحكومات العربية في التعامل معها، وتضرر شريحة واسعة من أفراد المجتمع نتيجة هذه الجائحة، سوف يوسع من رقعة القواعد الشعبية المعارضة للأنظمة والحكومات، حيث نستطيع القول إن طبقة العمال، والأعمال الحرفية الصغيرة والمتوسطة، وبعض من الشركات الكبيرة نسبيا، قد تضررت بشكل كبير ولم تستطع الحكومات تعويض أو تخفيف العبء عن المتضررين، إضافة إلا أن الجائحة كشفت الكثير من العيوب والضعف والتقصير من قبل الأنظمة والحكومات في قطاعات المجتمع العربي، ولا سيما القطاع الصحي والاقتصادي، ولكن لا نجد هذا التقصير والضعف في القطاعات العسكرية والأمنية.

كما أنه من الممكن أن تؤدي نتائج جائحة كورونا إلى إشعال فتيل الاحتجاجات في دول عربية أخرى، كانت ترى نفسها في مأمن من هذه الثورات، دول الخليج العربي والدول النفطية التي تصنف من الدول الريعية، حيث إن أسعار النفط في انخفاض كبير لم يحدث منذ عام 1991م، هذا الانخفاض سوف يشكل ضغطًا على هذه الدول، حيث إن نفقاتها على مرافق الدولة سوف تبدأ بتقلص والنقصان، فيما سوف تبقى توقعات مواطنين هذه الدول عند مستواها السابق، مما سيؤدي إلى وجود فجوة بين التوقعات والنفقات، وهذا يولد استياء وغضبًا شعبيًّا من الممكن أن يقود إلى حِركات واحتجاجات ضد الحكومات والأنظمة.

فدولة مثل المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى مواجهتها لجائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط، ما زالت تخوض حربها ضد الحوثيين، التي استنزفتها ماديًا وعسكريًا بشكل كبير، دون إحداث نتائج حقيقية على الأرض، ومن المرجح أن تدخل الدولة السعودية في أزمة مالية إذا استمر الوضع على هذه الشاكلة.

يمكن اعتبار أن جائحة كورونا أعطت للأنظمة والحكومات العربية بشكل عام، والتي تعاني من توترات وعدم استقرار في بلادها بشكل خاص، فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، خاصة وأن إعلان حالة الطوارئ في معظم البلدان العربي، والصلاحيات الواسعة التي استخدمتها الحكومات على إثر إعلان حالة الطوارئ، من فض المظاهرات ومنع التجمعات والتجمهر، وتعطيل حركة السير بكافة أشكالها، وإغلاق المرافق العامة بشكل كامل، وانتشار عناصر الجيش في الساحات والشوارع، هذا كله أدى إلى عودة الثورات وفاعليتها خطوة إلى الوراء.

ولكن في النظريات التي تدرس وتحلل الثورات، هناك عوامل مهمة يجب أن تتواجد في الثورة كي تنجح وتستمر، من أهمها الجدة الثورية وكسر حاجز الخوف، والقدرة على الحشد، ويمكن القول أن هذه العوامل قد تحققت في الثورات العربية، لذلك تصبح مسألة الرجوع إلى الشارع مسألة وقت ليس إلا، يقول ألكسي دو توكفيل، الفيلسوف الفرنسي، أنه «في زمن الأزمات لا تقوم الشعوب بالتمرد، لكنها تحاسب بقسوة بعد نهاية الأزمات».

إذا، الجائحة ورغم كل ما خلفته من أضرار ومعاناة للشعوب العربية على وجه التحديد، إلا أنه على ما يبدو أنها لن تكون معيقًا دائمًا أمامهم، والدليل على ذلك تحول احتجاجاتهم إلى منصات التواصل الاجتماعي، كنوع من التأكيد على أنهم لم ييأسوا، وأنهم عائدون إلى مواقعهم في الميدان، والأنظمة العربية لن يطيل اختباءها خلف مواجهة جائحة كورونا، كما أن المواطن العربي من الممكن أن يتخلى عن حقوقه السياسية أو يتنازل عنها، بمقابل أن أموره الاقتصادية ميسورة إلى حد ما، ويستطيع أن يحصد قوت يومه، ولكن إذا خسر هذا المقابل، لم يعد هناك شيء يخسره، أو يمنعه من الاحتجاج، أي أن الجائحة سوف تخلق دوافع جديدة للمحتجين من أجل النزول إلى الميدان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد