هل كورونا سلاحا بيولوجيا؟

في الآونة الأخيرة استيقظ العالم فزعًا على خبر إصابة أربعة مواطنين في مدينة أوهان الصينية بميكروبٍ قاتٍل ليس له علاج، شُخص بعد ذلك على أنه فيروس «كوفيد – 19»، ظهر القلق العارم من هذا الوافد الجديد وبات العالم يترقب لحظة بلحظة ما سيسفر عنه هذا الفيروس، لكنه لم يلبث أن زادت خطورته واتسع انتشاره حتي صار يقرع أبواب كل مدن العالم مخلفًا مئات الآلاف من المصابين، وآلاف القتلى، ومثيرًا موجة من الخوف، والهلع الشديد، شملت البشرية بأسرها، وجعلتها تتخبط بعلمائها، ومراكز أبحاثها حول حقيقته وأسبابه، واختلفت الآراء، واختلطت الحقائق بالخرافات، وتصدر الحديث عن الحروب البيولوجية منصات التواصل الاجتماعي، وحلقات النقاش في العالم الافتراضي والواقعي، وأصبحت بيئة خصبة لتضارب الآراء ونمو الشائعات والتفسيرات الشاذة والغريبة، وأحيط الأمر بهالة كبيرة من المبالغة والأسطورية، وزاد من ذلك كله حالة الغموض التي تلبست بالوباء وأسبابه.

وثار الجدال واحتدم بين مؤيد لهذه الفرضية يرى أن ما حدث هجومًا بيولوجيًا من قوة عظمى ضد قوة أخرى بغية تدميرها اقتصاديًا وعزلها عن العالم لكي تظل هي القوة الوحيدة في العالم.

وبين معارض لهذه الفرضية يرى أن ما حدث وباءً نشأ لأسبابٍ طبيعية، بل ويصف الطرح الآخر بأنه ضرب من الخرافة والعبثية لا يستحق سوى السخرية والاستهجان.

ونحن إذا أردنا تقييم هذه الفرضية واتخاذ موقف فصل بين المؤيدين والمعارضين، فيجب علينا أولًا أن نتحقق مما إذا كانت الحروب البيولوجية قد وجدت في تاريخ العالم من قبل أم لا.

وعند تقصي الوقائع التاريخية نجد أن الأسلحة البيولوجية كانت جزءًا رئيسًا من الحروب، ففي الحرب العالمية الأولى استخدم الجيش الألماني الجمرة الخبيثة، ومرض الرعام، والكوليرا، وفي الحرب العالمية الثانية أنشات القوات اليابانية مراكز بحثية سرية للأسلحة البيولوجية في منطقة منشوريا بشمال شرق الصين، وقامت بتنفيد التجارب على السجناء وعرضوا أكثر من 3 آلاف ضحية للطاعون والجمرة الخبيثة، وأعدموا بعض المصابين، وقاموا بتشريحهم لفهم مدى تأثير هذه الأسلحة على الجسم البشرى، وقصفت اليابان الصين ببراغيث مصابة بالطاعون؛ مما أدى في بعض التقديرات للقضاء على 300 ألف مواطن.

وهذا أقوى مثال يؤيد الطرح القائل بأننا نعيش في أجواء حرب بيولوجية؛ لأن وقوع الأمر لمرة واحدة يثبت وجود الشئ ولا ينفيه، ويثبت احتمالية تكراره مرة أخرى.

أيضًا هناك دليل قوي أخر أثبتته الوثائق الدولية، وهو امتلاك دول كالاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية لبرامج حربية بيولوجية ومعامٍل لتخزين الفيروسات والميكروبات، وإجراء التجارب عليها وتطويرها لاستخدامها كسلاح مدمر حال الشروع في الهجوم على العدو.

وهذا الذي دفع المجتمع الدولى إلى التحرك لإيقاف هذا النوع من الحروب وتكلل الأمر في مؤتمر جنيف حيث أصدرت الأمم المتحدة قرارً بتحريم امتلاك هذه الأسلحة، وهذا دليل آخر يثبت وجودها، ويثبت نية بعض القوى في استخدامها، إذ إن العالم لن يتحرك لإيقاف أمر ليس له وجود، أو لن ينتج عنه خطرٌ يهدد البشرية جمعاء، وألا يكون ذلك ضربًا من العبث غير المقبول.

ونخلص بعد أن أثبتنا صدق وجود الحروب البيولوجية في تاريخ العالم إلى سؤال مفاده: هل يمكن أن يكون ما نعيشة الآن في ظل فيروس «كورونا» هو امتداد لتلك الحروب وجولة من جولاتها؟

الحقيقة أن هذا احتمال وارد، وليس خرافة محضة كما يدعى البعض، لكن الذي يضعف هذا الاحتمال ويجعله مجال استخفاف واستهجان من معظم الناس أن الذين يتبنونه لا يمتلكون دليلًا ماديًا قويًا غير الاستدلال بالوقائع التاريخية، بل إنه يغلب على معظمهم الجهل وتسيطر عليهم نظرية المؤامرة؛ مما يزيد من نفور الناس من هذا الطرح؛ لأن نظرية المؤامرة أصبحت مستهلكة ومبالغ فيها بشكل كبير، لأن وباء «كورونا» وعلى صحة كونه سلاحًا بيولوجيًا فإن القوى الكبرى تتعامل مع الأمر بشكٍل طبيعي، وعلى أنه أمر متوقع حدوثه، وتضع في خططها العسكرية الاستعدادت اللازمة لمواجهته.

ومعلومٌ يقينًا أن نظريات المؤامرة لا تنمو إلا في أوساط متخلفة عاجزة عن التعامل السليم مع تلك الأوبئة، سوًاء كان سببها هجمة بيولوجية، أو أمرًا طبيعيًا.

ولذلك فإنه يجب على من يتبنون هذا الطرح، سواء في الشرق أو الغرب أن يبحثوا عن أدلة حقيقية يدعمون بها موقفهم حتى يستطيعوا مخاطبة العالم بخطاٍب منطقي متزنٍ وحينها فقط سيلفتون نظر العالم إلى خطورة مثل هذه الحروب التي لن تحرز نصرًا لطرٍف على غريمه، بل إنها ستؤدى بالبشرية جميعها إلى الانتحار.

وهذا يتطلب منهم أيضًا محاولة استغلال الظرف المأساوي الذي تعيشه البشرية بسبب فيروس «كورونا» لإطلاق صرخة إنسانية عالمية ضد «لا أخلاقية هذه الحروب القذرة»، وتدشين فعالية إنسانية عالمية تشمل كل الوسائل السلمية المشروعة للضغط على الدول الكبرى لإلغاء هذه البرامج المدمرة والتوقف عن اللعب بمصير البشرية بالسير في هذا الدرب المجنون الذي يجعل الحضارة الحديثة ومنجزاتها على حافة الهاوية، ويصمها للأبد بأنها ترسخ للقوة والوحشية، وتطوع العلم وسيلة لتطوير أسلحة الدمار التي تجعل الحروب أكثر دموية وضحايا.

فالواجب الإنساني يحتم علينا تبرئة الحضارة والعلم من هذه الوصمة التي الصقتها بهما قيم الصراع والطمع في الاستحواذ على ثروات الغير، وقد تمثلت في معظم القوى على الساحة الدولية التي تبيح استخدام كل الوسائل المحرمة في سبيل هذا المجد الزائف وهذا الصرح المقام على جامجم البشرية.

يجب علينا جميعًا إذا كنا ننشد حضارة تسعى في رفاهية الإنسان وأمنه بحق أن نعود إلى قيم المحبة والسلام فنتمثلها ونجسدها واقعًا في حياة الأفراد والأمم والحكومات، ونسعى لتنصيب العدل حكمًا في مشاكلنا وخصومتنا العالمية والإقليمية والمحلية.

فبهذه القيم وحدها والتضامن في سبيلها نستطيع أن نشكل ضميرًا إنسانيًا عالميًا يقف في وجه تلك المخططات الخبيثة التي تستهدف الإنسان من حيث هو إنسان، لترسو سفينة الإنسانية على بر الأمان.

وليست تلك الأمنيات التي تخالج شعورنا ضربًا من «اليوتوبيا» المثالية، فنحن لا نزعم أن العالم بتمثله لقيم المحبة والسلام سيقضي على المشاكل والحروب بشكل نهائي، فهذا لن يحدث لأن تلك الأمور تدخل في نطاق السنن التي فُطر عليها هذا الكون، بل نحن نرى أنه قد آن الأوان بأن يغير العالم أسلوبه في التعامل معها، فينتقل من الهمجية والبربرية التي ما زالت تتبدى في الحروب والصراعات، إلى أسلوب أكثر تحضرًا وعقلانيًة يعتمد على الحوار في حل النزاعات والتزام حدود الحفاظ على الإنسانية حتى في حروب الدفاع عن النفس.

حتى نقي البشرية شر حروب تتخذ وسائل قذرة مؤهلة للفتك بالجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد