يبدو أن الإنسانية تتجه لمنعرج جديد من تاريخها، سيفرز حتمًا نظامًا عالميًّا ومجتمعيًّا جديدًا، ومن المرجح أن هناك مستفيدًا أكبر وخاسرًا أكبر؛ فقانون الحياة يتطلب دائمًا ضحية وجلادًا، حتى وإن كان الضحية والجلاد الطرف نفسه والمصدر نفسه، فحتى لو هناك فرضية توحي بأن ما يحدث أمر عفوي، وإن كان الواضح أنه بعيد كل البعد عن العفوية والأقدار السماوية.

فهناك ناج وهناك هالك، وهناك مرجع تاريخي جديد سيجري اعتماده في التوثيق الزمني سيُعرف: بما قبل وباء الكورونا، وما بعد وباء الكورونا، تمامًا كما تؤرخ جل كتب التاريخ والكتب المقدسة بما قبل وما بعد الطوفان – طوفان نوح عليه السلام – فأين سينتشر أبناء نوح – الإنسان الناجي من الوباء- هذه المرة؟ وأي الأجناس البشرية ستنقرض؟ وهل ستظهر أجناس جديدة؟

منذ أن شرَّع قابيل القتل في الأرض، وطبيعة النفس البشرية تأبى الاختلاف وتأبى التفوق، وهذا الرفض ترجمته تركيبة الإنسان إلى شعور هو سبب كل الشرور في الأرض؛ هو الحقد مهما اختلفت تسميته، فهو الأنانية، وهو النرجسية، وهو حب التملك والسلطة، وهو أيضًا تمني هلاك الآخر، وأصبح هذا الشعور أخطر حين تجاوز الصراع الإنساني- الإنساني، الجانب الروحاني، أي علاقة الإنسان بما هو غيبي كما في قصة ابني آدم، ولهذا أصبح المجتمع الإنساني كله معرضًا للخطر – القتل – حين يتطور الصراع إلى صراع مادي، والمادة هي المال، هي السلطة، هي البراغماتية النفعية، هي كل ما هو محسوس، هي قوام الوجود الإنساني الحقيقي دون تضليل أو ادعاء، والمادة هي أساس الإنتاج مهما اختلف نوع هذا الإنتاج.

فما قيمة وجود الإنسان إن لم يكن منتجًا، وهذا هو القانون الذي بنت عليه الشعوب القوية على امتداد الوجود الإنساني تبريراتها للإبادة والقتل، وإزالة وجود كيانات أخرى أضعف إنتاجًا أو حتى منعدمة الإنتاج، والغاية الأساس الاستيلاء على ثرواتها التي لم تحسن استغلالها وتحويلها إلى إنتاج، مهما اختلفت هذه الثروة، مادية كانت أو شيئًا آخر يمكن تحويله لمادة.

ولأن قابيل كان يظن أنه سيحظى بمكانة أخيه بعد إلغاء وجوده، فما بالك بنمط تفكير آخر، منطق القرن الواحد والعشرين الذي لا يهمه لا المكانة ولا التاريخ ماذا سيكتب، كل ما يهمه اقتصاد متين سيزيد قوته وبطشه، حيث لا يبقى للآخر أي إمكانية للنهوض بنفسه كمحاولة لتحقيق وجوده من جديد.

لهذا مهما حاولنا الابتعاد عن نظرية المؤامرة، سنجد أنفسنا داخل دوامتها المفرغة، حيث نسبة العفوية والصدفة ضئيلة جدًّا؛ لأن إسقاطات التاريخ على حاضرنا لن تسفر عن أي نتيجة أخرى، غير أن ما يحدث هو امتداد فعلي لشريعة قابيل في الأرض، ولعل ما يدعم ذلك التطور الذي وصلت إليه الإنسانية من قدرة على التحكم في أغلب الكائنات الموجودة على هذا الكوكب، حتى المجهرية والميكروسكوبية منها.

ولكن من جهة أخرى فإن الأقوام الأقل قوة وسلطة اليوم، ستجد من نظرية المؤامرة أفضل شماعة لتعلق إخفاقها وفشلها في التعامل مع هذا التطور المفاجئ بالنسبة لها، والمخطط له بالنسبة لأطراف أخرى، وإن كانت هذه الشعوب تعاني بالأساس من مؤامرتين: خارجية ليست وليدة اللحظة، بل وليدة قرون مضت، معروفة أسبابها وطرقها وغايتها ومصدرها، كما سبق وذكرت، وداخلية الكل مسؤول عنها دون استثناء من أعلى الهرم إلى أسفله؛ لأن العجز والتخلف قد يكون نتيجة سياسة ما، ولكنه في الوقت نفسه، نوع من الخضوع والاستجابة الرعناء والساذجة، دون أدنى جهد من التفكير والتحليل، لهذا فإن عنصر المفاجأة ليس واردًا تمامًا، وحتى الاستغراب من طريقة التعامل مع الوضع ممنوع، وليس من حق الصحافة الصفراء الاحتجاج وتمثيل دور حكيم القرية؛ فهي جزء من هذا العجز، لأن الشعوب التي لم تكتسب أدنى درجات الوعي منذ عقود مرَّت، من المستحيل أن تكوِّنه في فترة قصيرة كهذه، ثم إن الرافض لوجوده أساسًا لن ترحمه القوى المهيمنة، فهو يسدي لها خدمة مجانية دون أن تقوم بأي جهد؛ لأن الانتحاري الغبي لا يقدم خدمة إلا لعدوه.

إن بقاء الوضع على ما هو عليه، سيقود الشعوب الضعيفة رغمًا عنها ،إلى مناعة القطيع، وحينها من المضحك تمثيل دور قابيل المقتول أو بروموثيموس المقيد؛ لأن الدور الوحيد الذي يليق بها هو دور الانتحاري الغبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد