انتشار فيروس الكورونا الجديد لم يكشف عن عدم أهمية الجهاز العسكري بالنسبة للشعوب فقط، ولكن جعلنا نعيد النظر في رؤيتنا للنظام الرأسمالي الذي يحكم العالم، النظام الذي يستعبد الأكثرية العاملة لصالح أقلية، فحسب تقرير منظمة أوكسفام؛ يمتلك 1٪ من سكان العالم (حوالي 7.5 مليون شخص) ثروة تتجاوز ضعف ما يمتلكه باقي السكان (حوالي 6.9 مليار شخص) ويمتلك 2153 شخص ثروة تتخطي ما يمتلكه 4.6 مليار شخص حوالي 60٪ من إجمالي السكان، وثروة أغنى 22 شخص في العالم تتخطى ما يمتلكه كل نساء أفريقيا، الأمر الذي ينتج عنه – على سبيل الذكر لا الحصر – 1.9 مليار شخص تحت خط الفقر، وفاة طفل كل خمس ثواني نتيجة عدم توافر الرعاية الأساسية والصحية له، وأن تقوم النساء والبنات بـ12.5 مليار ساعة من الرعاية غير مدفوعة الأجر مساهمين في الاقتصاد العالمي بما لا يقل عن 10.8 تريليون دولار في السنة، جميعها نتائج كارثية توضح الاتجاه الذي يسير فيه النظام ولصالح من يعمل، وكيف يقدس المال ويستعبد الإنسان.

يخبرنا الفيروس أيضًا أن العالم أصبح قرية صغيرة – وكيف أن ظهور فيروس جديد في وهات الصينية وضع العالم تحت الحجر الصحي – الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن جدوى الحدود والجيوش والهتافات الفارغة باسم الوطنية، والتي كلها من نبت الرأسمالية تبني عليها عرشها، فالدولة بجهازيها العسكري والبيروقراطي أظهر الفيروس عدم أهميتها، وأنها لم توجد إلا لرعاية مصالح الطبقة الحاكمة وضمان قمع الأكثرية، سواء كان داخل الدولة إذا ما تحرك الشعب مطالبًا بحقوقه، أو خارج حدود الدولة لنهب ثروات دولة أخرى.

فالجيوش التي تصرف عليها الدول مبالغ تزيد بما لا يقارن مع باقي القطاعات مثل التعليم والصحة، فهي يد الرأسمالية الباطشة، التي لم تجلب على البشرية سوى الدمار والخراب، ولم تنتج سوى الحروب، الاحتلال والإبادات الجماعية، أنتجت لنا الحملات الاستعمارية الأوروبية التي تسببت في فناء شعوب وأمم مثل الهنود الحمر ونهب واستبعاد أمم أخري مثل أفريقيا، أنتجت أيضًا حربين عالميتين راح ضحيتهما ما يقارب 115 مليون شخص كما أنتجت الاحتلال الصهيوني، وبالرغم مما تهبه الدول للجيوش، إلا أنه لم يطور سوى الأسلحة – كالنووية والبيولوجية – التي لا تجلب سوى الدمار والخراب على البشرية كما تضمن بقاء النظام وسيطرته على باقي الشعب.

إن استمرار النظام الرأسمالي لا يعني سوى المزيد من الكوارث والحروب، المزيد من تراكم الثروات في طبقة وتسخير جميع أفراد الشعب لخدمتها، المزيد من العبودية. والقضاء على ذلك النظام الوحشي لا يكون بين ليلة وضحاها، ولكن بالتخلص من دعائمه التي أثبتت جائحة كورونا عدم وجود أدنى أهمية لهم، فالجيوش والحدود والرايات الملونة والأناشيد الفارغة كلها ضمانات لحماية بقاء ذلك النظام، ضمانات لبقاء سيطرة طبقة على الأخرى، طبقة لا ترى الإنسان إلا مجرد آلة لزيادة ثروتها، فهي تسحق إنسانيته لخلق فائض ربح، ولذلك يقول ماركس «في المجتمع البرجوازي رأس المال مستـقـل وله ذاتية مميزة، في حين أن الفرد الفاعل لا استقلال له، ولا ذاتية مميزة».

نحن على أعتاب عصر جديد يشق طريقه للوجود من الشروخ التي صنعتها الفوارق الطبقية وأظهرتها جائحة الكورونا، وحلول ذلك العصر يعتمد على نضالنا ضد ذلك النظام وقدرتنا على التخلص من دعائمه – لا يمكن تحديد زمن معين له، بل من المستحيل تحديد سنة معينة له – فهو ليس وليد الصدفة، ولا يهبط على الأرض من اللامكان، ولكنه تراكمات لتاريخ من النضال ضد ذلك النظام، وما ينتجه من أفكار وآثار سلبية تستعبد الأكثرية وتسلب حقوقهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد