كان لانتشار الوباء الأسود والذي حصد أرواح أكثر من ثلث الأوربيين في الفترة من 1346 إلى 1353 نتائج اقتصادية ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا، فبعد انتهاء وباء الطاعون الأسود تحسن المستوى الاجتماعي والاقتصادي للطبقة العاملة خاصة في أوروبا الغربية التي تأثرت أكثر من غيرها، ففي فترة إعادة البناء ونتيجة لنقص العمالة فقد ازدادت أجورهم كما استطاع العمال تحسين الشروط التعاقدية، وكان لوفاة عدد من النبلاء والإقطاعين وتوزيع أملاكهم بين أفراد جدد الأثر الواضح في تحقيق النمو الاقتصادي والوفرة الغذائية وبداية الاختراعات في الزراعة والصناعة توجت باختراع الطابعة.

على الأغلب فإن جائحة الكورونا لن يكون لها ذلك الأثر الإيجابي على الطبقة العاملة، كما كان الطاعون الأسود لاختلاف الزمان والإمكانات التكنولوجية الحالية، بل إن أثره قد يكون سلبيًّا على العمالة غير الماهرة.

صحيح أننا حتى اللحظة ما زلنا نرزح تحت وطئة جائحة الكورونا والإجراءات الوقائية من إغلاق المطارات، وحظر التجول، والتباعد الاجتماعي، والعزل المنزلي للمشتبه بإصابتهم إلا أن التغيير في الوظائف قد بدأ بالفعل.

فأصحاب الأعمال الصغيرة كما هو متوقع اعتمادهم الرئيسي في تغطية التكاليف هو على التدفق النقدي بشكل يومي، وهذا ما يتضح بشكل جلي في الولايات المتحدة الأمريكية، فبينما استغنت المطاعم والشركات الأخرى عن خدمات موظفيها، توسعت شركات تكنولوجيا المعلومات والتجارة الإلكترونية مثل أمازون شهدت ازديادًا في عدد المطلوبين للموظفين الجدد، بالطبع فإن هذه الوظائف أغلبها مؤقتة ومرتبطة بشكل وثيق بإجراءات التباعد الاجتماعي وأوامر البقاء في المنزل، إلا أنه ليس من المتوقع أن يقتصر التغيير على ذلك بل سيكون لكوورنا نتائج طويلة المدى على طرق ممارسة الأعمال بعد مرحلة التعافي.

بالنسبة للشركات الأخرى فإن دوائر الاستراتيجية تعمل على تغيير جميع خططها السابقة للسنوات القادمة، فبدلاً من بناء نماذج مالية وخطط بهدف النمو والانتشار والاستحواذ، أصبحت كل خطط تتجه نحو الاستمرارية ومحاولة الحفاظ على الوضع الحالي في فترة الكورونا وما بعد الوباء، وبالتأكيد ستعمل أيضًا على وضع خطط مستقبلية للاستثمار بتقنيات لمنع تكرار هذه الخسائر في المستقبل.

فإغلاق المصانع سيحفز أصحابها على التفكير بحلول مختلفة لمنع تكرار هذا الاغلاق مستقبلاً لو ظهر وباء جديد، فمن المتوقع أن تلجأ المصانع إلى الاستثمار في الربوتات بشكل أكبر مما هو قائم حاليًا، فبدلاً من اقتصارها حاليًا على بعض الصناعات كالسيارات والأجهزة الإلكترونية سنلاحظ توجهًا كبيرًا لجميع الصناعات مما سيؤدي بالضرورة إلى خفض كلفتها، وبدلاً من الاعتماد على العنصر البشري الأكثر عرضة للأمراض وأوامر تقيد الحركة والأقل التزامًا بالتعليمات الصحة وغيرها، مما يؤدي إلى تعطيل العمل وبالتالي تحقيق خسائر مالية في مرحلة التعطل ومراحل إعادة العمل، ستحل هذه الروبوتات والتي من الممكن تركها تعمل وحدها دون الحاجة إلى رقابة، وبعدد أقل من الموظفين.

المطاعم هي الأخرى ستشهد دخول الروبوتات إلى مطابخها (حدث ذلك فعلاً قبل بداية أزمة الكورونا) خصوصًا تلك المتخصصة في الأصناف التي يمكن أن نصف طريقة إعدادها بالمبرمجة كالبيتزا مثلاً، فالدارسات تتوقع انخفاض الطلب على المطاعم في مرحلة ما بعد الكورونا بسبب عدم الثقة بمدى التزام القائمين بالإجراءات الصحية وأي بديل أفضل من روبوت غير ناقل للعدو، مطيع للأوامر وسريع بتنفيذ الطلب.

بالنسبة للشركات التي تقدم خدمات مختلفة من استشارات مالية وضرائبية، فهي قد استطاعت أن تستمر بممارسة أعمالها خلال هذه الأزمة عن بعد وباستخدام التقنيات الحديثة، هذه التجربة بالتأكيد سيتم تعزيزها والاتجاه إليها بعد الأزمة، فبدلاً من مقرات العمل المكلفة للتأسيس والصيانة والمصاريف الشهرية من كهرباء وماء وغيرها يمكن للموظفين العمل من المنزل، وبرواتب أقل فلم يعد هناك أي مصاريف للتنقل، الملابس الرسمية وغيرها، فلا شك أننا نشهد بداية تغيير جذري للاقتصاد العالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد