يستعد المسلمون لاستقبال عيد الفطر ولسان حالهم يقول قول المتنبي بأي حاَل عدُت يا عيد بمَا مَضَى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ… أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيدًا دونَهَا بِيدُ، مع الاعتذار للمتنبي، أمّا الأَحِبَّةُ فكورونا أبعدهم، وكيف يصح لنا عيد دونهم، فالعيد كذلك لن يكون كعادته.

فبين الصلاة في البيوت، ووضع الكمامات، والتباعد الاجتماعي، وغياب الزيارات بين العائلات، سيكون عيد الفطر الذي من المتوقع أن يكون في بداية الأسبوع قد حل في ظروف وتقاليد وعادات استثنائية فرضتها جائحة كورونا على المؤمنين أجمع.

وبما لا شك فيه أن كل واحد منا يسأل نفسه: هل سيأتي العيد ونشعر بفرحته واحتفالاته وبهجته؟ أم سيظل الخوف والقلق مسيطرين علينا في ظل أزمة كورونا واستمرار الحجر؟ ويتساءل بعضهم الآخر كيف ستكون صلاة العيد؟ وكيف تكون صلة الأرحام في هذه المناسبة العظيمة؟ وكيف تكون زكاتها في خضم الجائحة؟

ما نقوله في هذا المقام إن علينا كالمؤمنين أن نفرح بالعيد من باب الحديث تفاءلوا خيرًا تجدوه، فتفاءلوا بزوال هذا الكرب وهذه الغمة بإذن الله تعالى، كيف ونحن أمة مأمورة بالتفاؤل والاستبشار، بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: يسِّروا ولا تُعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا.

ففرحنا بالعيد فيه بشارة وتفاؤل بزوال هذا الوباء إن شاء الله تعالى، كما أن الفرح والبهجة هما العلاج والدواء والمخرج للإنسان لكي لا يقع فريسة للحزن والإحباط والوساوس التي تلتهم نفسه وكيانه، وتنتشر وتزيد كما تفعل النار، فإن كان وباء كورونا ينتشر في العالم وذلك خارج إرادتنا وليس لنا يد فيه، فلا ينبغي لنا أن نسمح لوباء اليأس والإحباط أن ينتشر داخل نفوسنا وأرواحنا، فهذا الأمر بيدنا، نحن من نملك القرار فيه ولا أحد آخر.

وبين اختلاف الفقهاء والعلماء في صلاة العيد في أنها واجبة، أو أنها سنة مؤكدة، أو هي فرض كفاية، إلا أنهم أجمعوا على سقوطها في ظل الجائحة ومنع صلاتها جماعة، مع أنها في الأحوال العادية يقول فيها فقهاء إن من فاتته مع الإمام صلاها في بيته، وهو ما نص عليه قول الشافعي في كتاب الأم، ويصلي العيدين المنفرد في بيته، وبالإجماع فقد صدرت فتاوى العلماء
بتوجيه الناس لصلاة العيد في بيوتهم نظرًا لاستمرار منع التجمعات العامة ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومات في مواجهة وباء كورونا، فحق لأبي البيت أن يجمع أسرته ويصلي بهم جماعة، ولا تلزمه الخطبة، وإن حَدَّثهم أو وعظهم وذكَّرهم بعد الصلاة فحسن جميل.

لا ينبغي خاصة نحن المسلمين أن نمتنع عن إجراءات التباعد من صلة الأرحام في أيام العيد، فهي المناسبةالسنوية التي يجبر الناس فيها خلل علاقتهم الأسرية، ويصلون ما انقطع من حبال المودة، ويرقعون ما انشق من ثوب المحبة، حيث وفرت التكنولوجيا القرن الواحد والعشرين وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة، وغرف المحادثات المرئية والاتصالات، ما نستطيع أن نؤدي به الغرض، من باب أن المُتيسِر لا يسقط بالمتعسر، وما لا يُدرك كله، لا يُترك جُله.

وإعمالًا لفريضة زكاة الفطر التي فرضها الله في هذا الشهر، فمن الأحسن أن يبادر لها المسلم قبل العيد، ومن لم يستطيع في ظل هذه النازلة وأخرجها بعد العيد فتكون له صدقة من جنس صدقات، ومن بسط الله في رزقه فلا يكتفي بزكاة الفطر، بل يبسط يده بالعطاء والصدقة مراعاة لما حل بالناس الذين فقدوا وظائفهم أو تعطلت أعمالهم.

صحيح أن رمضان لهذا العام ليس كما ألفناه فقد غيرت النازلة من عيشنا ومن عاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا في ما يخص هذا الشهر المبارك، فانتقلت صلاة التراويح من المسجد إلى البيوت، وعمرة رمضان لم يتمكن المسلمون منها، وحتى زيارة الأرحام ولمة الأقارب امتنعنا عنها، لكن لكل فعل ثوابه متى ما صلحت النية، ما نذكر به أنفسنا أن ليالي رمضان معدودات، والعاقل من أحسن لنفسه فيها فالأعمال بخواتيمها.

وكما أن رمضان نودعه بحزن الفراق، نستقبل عيد الفطر ببسمة الاشتياق، وما أروع مقولة الأديب البشير الإبراهيمي حين قال: أيها المسلمون عيدكم مبارك إذا أردتم، سعيد إذا استعددتم، لا تظنوا أن الدعاء وحده يرد الاعتداء، إن مادة دعا، يدعو، لا تنسخ مادة عدا، يعدو ، وإنما ينسخها أعدَ يعدُ، واستعدَ يستعدُ، فأعدوا واستعدُوا، تزدهر أعيادكم وتظهر أمجادكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عيد, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد