تشهد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر تهديد لها منذ تأسيسها سنة 1776 بسبب فيروس كورونا المستجد، وسأذكر في هذا المقال كيف تسبب النظام السياسي بالولايات المتحدة الأمريكية في تفشي فيروس كورونا المستجد مما أدى إلى انهيار القطاع الصحي والاقتصادي فيها.

 

أولًا: بالنسبة للجانب السياسي، فقد أثبت الرئيس ترامب وإدارته فشلهم الذريع في سرعة اتخاذ التدابير الوقائية التي تساهم في التصدي والحد من خطورة المرض، وقد خالف ترامب كل تحذيرات منظمة الصحة العالمية وقلل من خطورة الفيروس، وحتى مع انتشار الفيروس في نيويورك وتحولها لبؤرة انتشار أبدى ترامب اهتماما أكبر بالجانب الاقتصادي، وصرح بأنه سيقوم بإعادة فتح أجزاء كبيرة من البلاد للتخفيف من حدة الآثار الاقتصادية التي نجمت عن الفيروس.

كما أن الحكومة الأمريكية رفضت رفع القيود للسماح بتطوير فحوصها بنفسها في بادئ الأمر، ولم ترفعها إلا بعد وفاة أول مصاب بفيروس كورونا  المستجد بتاريخ 29 فبراير (فيفري) أي بعد شهر من تسجيل أول إصابة، ولا يمكننا أن نغفل أيضا أن الدستور الأمريكي لا يوجد به قانون يحدد طريقا واضحا لكيفية التعامل مع الأوبئة، فمثلا لا تملك الحكومة الفدرالية الحق بوضع البلاد كليا في الحجر الصحي الكامل كما فعلت الصين، وذلك يعود إلى أن اتخاذ أي إجراء طارئ لمواجهة الوباء عليه أن يخضع للقوانين المنظمة للعلاقة بين سلطات الرئيس وسلطات الكونجرس وسلطات الولايات، وهي بالعادة أمور تغلب عليها طابع شد وتجاذبات سياسية.

وبسبب هذا فقدت الولايات المتحدة السيطرة على احتواء المرض وتسبب في انهيار قطاعي الصحة والاقتصاد فيها وهنا يقول غابور كيلن، مدير قسم طب الطوارئ في جامعة جون هوبكينز في تقرير لوكالة فرانس برس، «لو تمكنا من الوصول إلى رصد الذين تواصلوا مع الأشخاص المصابين، لكنا ربما عثرنا على مزيد من الحالات بشكل سريع، وعزلنا مواقع الانتشار الكبير».
ثانيًا: بالنسبة للقطاع الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية والذي يعتبر أفضل نظام صحي في العالم عجز أمام فيروس لا يرى بالعين المجردة، فقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية العام الماضي 3.6 ترليون دولار على قطاع الصحة أي ما يوازي 5 مرات ما أنفقته على جيشها، ولكن وبالرغم من هذه الميزانية الضخمة لم تستطع أن توفر لمواطنيها الحماية اللازمة لمجابهة المرض، وأصبحت المستشفيات الأمريكية تشكو من نقص أجهزة التنفس الاصطناعي ونقص في عدد الأسرة بسبب امتلاء المستشفيات، وهو ما يعكس تصريح أنطوني فوتشي مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية أمام جلسة استماع بالكونجرس الأمريكي إن النظام الطبي في الولايات المتحدة «ليس مستعدًا حقًا لتلبية ما نحتاج إليه الآن»،.

فقد وصل عدد المصابين فيها بتاريخ 28 أبريل (أفريل) 2020 إلى 1.010.507 أي ما يوازي تقريبا ثلث المصابين في العالم الذي يقدر ب 3.073.356 مصاب، أما عدد القتلى فقد وصل إلى 56.803 قتيلًا وهو ما يوازي ربع القتلى في العالم الذي يقدر بـ211.766 قتيلا، وتعد مدينة نيويورك أكبر بؤرة انتشار في العالم حيث وصل عدد المصابين فيها إلى 300 ألف مصاب و23 ألف قتيل.

وبسبب هاته الإحصائيات المرعبة أثيرت عدة تساؤلات أهمها كيف استطاع فيروس كوفيد -19 أن يكشف هشاشة المنظومة الصحية للولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت تعتبر أفضل منظومة صحية في العالم بسبب قوة الانفاق على قطاع الصحة، ووجود أفضل المستشفيات في العالم على أراضيها، وأيضا تقدمها في مجال البحوث الطبية مما جعلها منفردة بالريادة في جوائز نوبل في الطب بدون منازع خلال العقود الأخيرة، وهل ستسطيع الولايات المتحدة الخروج من هاته الأزمة؟
ثالثا: بالنسبة للقطاع الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية فقد تضرر بدوره ومن الصعب تقدير الحجم الكلي للخسائر، ولكن سأذكر بعض الأضرار الاقتصادية التي تسبب بها الفيروس ومنها قطاع المحروقات، حيث وصل سعر النفط الأمريكي إلى أقل من الصفر (-37.63) للبرميل، وفقد 26 مليون شخص وظائفهم، أما قطاع الطيران فهي تتكبد خسائر يومية تقدر بنحو 60 مليون، أما قطاع المطاعم فيتوقع أن تخسر 225 مليار دولار، مما دفع إلى خطة إنقاذ عاجلة تقر ب 2200 مليار دولار حيث تتضمن الخطة إرسال شيك بقيمة 1200 دولار للمواطنين الأمريكيين، وحوالي 400 مليار دولار من المساعدات موجهة للشركات الصغرى، إضافة إلى 500 مليار دولار للشركات الكبرى والتي ستكون تحت إشراف مراقب عام، كما سيتم تدعيم المستشفيات بمئة مليار دولار، بالإضافة إلى 30 مليار دولار موجهة سيتم تخصيصها لتمويل المتعلقة بتطوير لقاح لكوفيد 19.
ختامًا هل ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتعديل دستورها وإضافة صيغة قانونية تساعد في مواجهة الأوبئة بدون الخضوع إلى القوانين المنظمة بين سلطات الرئيس وسلطات الكونغرس وسلطات الولايات؟ لأن هذا النظام قد أثبت فشلا ذريعا لم يتوقعه أكبر المتشائمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد