كشفت أزمة كورونا التي تعصف بالعالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه عن مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية كانت تنخر في المجتمعات بصمت حتى أنطقها الفيروس المستجدّ، وربما لو شرعنا بالحديث عن هذه المشاكل واحدة تلو الأخرى لاحتجنا لسلسلة مقالات لا نعرف متى ستنتهي، فحتى مع نهاية الجائحة التي ينتظرها الجميع والتي تتأرجح بين الأمل بقرب الموعد المجهول والخوف من طول أمد الانتظار، لا بد من أنّ هذه الأزمة ستُبقي المجتمعات مثخنة بالجراح لبعض الوقت قبل أن تسترد عافيتها. 

أتوقف في هذا المقال قليلا في جلسة تأمل ومساءلة لإحدى المشاكل الاجتماعية المرتبطة بالسلوك الإنساني أثناء انتشار الفيروس في المجتمع. 

اعتدنا عندما يصاب أحدنا بالزّكام أو بالإنفلونرا أن يبتعد عن الأشخاص من حوله بملء إرادته لكي لا يكون سببًا في إصابتهم، فلا بد وأنّ معظم الناس إن لم يكن جميعهم قد أقبلوا على الأقل مرةً في حياتهم للتسليم على شخص مريض أو تقبيله وقد سارع الأخير بإبعادهم وإخبارهم «مريض مريض». 

ولكن المفارقة أنه وفي الوقت الذي ينتشر في فيروس جديد لا يعرف أهل الاختصاص عنه الكثير بعد، ليس له علاج، ولا لقاح، ولم يثبت علميا بعد أن من يصاب به يكتسب مناعة ضده، فيروس ليس فتاكًا بالأرواح جميعها ولكن فقط بتلك التي تعاني من أمراض مزمنة أو لدى صاحبها مشاكل في جهازه المناعي، فيروس تتضارب المعلومات حوله وما نجهله عنه أكثر بكثير مما نعرفه، فيروس أخطر ما فيه سرعته وقدرته الكبيرة على الانتقال بين البشر بصمت.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه جميع الأطباء ووزراء الصحة والعلماء في جميع أنحاء العالم على أنّه لا سبيل للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجدّ إلا بالتّباعد الجسدي وأنه لا مفرّ من هذا التغيّر الذي طرأ على حياتنا، فحتى الذين اختلفوا مع إجراءات الحظر الكامل والجزئي التي انتهجتها بعض الدول، اتّفقوا على أهمية ابتعاد الناس عن بعضهم للتخفيف من عواقب الأزمة، كما أنّ عددًا من وزراء الصحة في دول مختلفة حثّوا الناس على الابتعاد عن أفراد أسرهم الذين يقطنون معهم في نفس المنزل، وذلك لأن هناك الكثير من حالات العدوى التي ظهرت ضمن أفراد العائلة الواحدة. 

وفي الوقت الذي لا تقتصر فيه السلسلة على انتقال المرض من فرد إلى آخرين فقط، ولكنّها تمتد لتكون سلسلة من العواقب النفسيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الوخيمة المترتبة على بعضها، يصرّ الكثير من الناس في مختلف العالم على عدم الالتزام بالتباعد الجسدي، فما هي الدوافع التي تقف وراء هذا السلوك الإنساني في هذا الوقت الحرج؟

هل هي قلة الوعي؟ بالتأكيد هذا أحد الأسباب ولكنه ليس السبب الوحيد وليس أكثرها إلحاحًا للتساؤل حوله لأنه الأكثر وضوحا، ما يدعو للتساؤل حقًّا في الحقيقة أنّ هناك الكثير من المتعلّمين والمثقّفين الذين لا يلتزمون كذلك، فهل هو عجز النفس الإنسانية عن إدراك الخطر اللاملموس مهما بلغ علمها وثقافتها ووعيها؟ هل هي ثقة زائدة لدى الأشخاص بسلامتهم؟ وإن كان كذلك من أين تأتي هذه الثّقة؟

قد يكون عجز الأفراد عن استحضار الصورة الكاملة المترتّبة على تصرّف صغير لا مسؤول، أو تمرّد على شعور الخوف من المجهول، أو تمرّد على ما هو مفروض وتحدٍّ للقيود، وفي هذا الخصوص تتضارب التحليلات بين من يعزو عدم الالتزام إلى تحدّي الأسلوب «التّرهيبي» الذي مارسته بعض الحكومات وفي من يرى بأنّ اكتفاء دولٍ أخرى بنصيحة الشّعوب بالتّباعد وعدم التجمع كان وراء استهتارهم فلا بد من أن يكون هناك قانون صارم لكي يشعر الفرد بخطورة الموقف وفقًا لهؤلاء. 

أو ربّما يكون سعيًا من النفس البشرية لإثبات قوتها وقدرتها على السيطرة على الأمور تخفيفًا لوطأة الضغط والقلق، أو أنّه خوف من الوحدة الذي يفوق الخوف من المرض أو الموت، وربّما تتضاعف رغبة النفس البشرية بالاستمتاع بالحياة عند الإحساس بالخطر، جميع هذه الدّوافع قد تحمل تفسيرات منطقيّة لعدم التزام بعض الناس بالتباعد الجسدي. 

ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الأسباب التي قد تدفع الفرد لعدم الالتزام بالابتعاد عن الآخرين جسديًا، نلحظ أنّ جميعها منطلقة من الفرد وتغيب عنها المسؤولية. 

أين الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين وتجاه المجتمع ككل؟ أعتقد أنّ هذه الأزمة بما فرضته من نمط حياة صعب عنوانه الأبرز الابتعاد الجسدي، وما ترتّب على هذا النمط من تغيير في تفاصيل حياتنا الصغيرة بدءًا من عناق أفراد عائلتنا وأصدقائنا، والاجتماع معهم، وحتى الخروج معهم إلى السينما أو إلى حفلة، هذه التفاصيل التي كانت تشعرنا بالسعادة والأمان ما هي إلّا اختبارٌ صعبٌ للشعور بمسؤولية الفرد الأخلاقيّة تجاه المجتمع. 

وربّما كان سقوط الكثيرين في هذا الاختبار أحد نتائج التوغّل المفرط بالفردانيّة التي تقدّس الحرية الشخصيّة والمصالح الفردية حتى ولو تعارضت مع مصلحة الجماعة، هذه الفكرة التي سيطرت علينا وأصبحت وكأنّها حقيقة مطلقة لا مجال للنقاش فيها، وأصبحت المنطلق الطبيعي والصحيح لجميع السلوكيّات الإنسانيّة، وربما أصبحنا عاجزين عن التفكير بمنطلق بديل عنها. 

فالفرد ومنفعته فوق كل اعتبار، وهذه المنفعة يجب على كل فرد أن يحقّقها بغض النظر عن سلطة الجماعة أو أي سلطة أخرى، قُدّست فكرة الفردانيّة باعتبارها تمثيلًا عمليًّا لفكرة المساواة بين الأفراد، ولكنها غفلت عن أنّ هذه المساواة في حق كل فرد بفعل ما يريد وكيفما يريد قد تتعارض مع حق فرد آخر، ولأنّ الفردانيّة لم تُعالج العلاقة بين الفرد والجماعة بعين حكيمة نرى ثمرة فشلها اليوم في تغييب المسؤولية الأخلاقيّة للفرد تجاه أفراد المجتمع الآخرين. 

فكم من شابٍّ وشابّة اكتنفهم الفرح عندما سمعوا أنّ فيروس كورونا ليس خطيرًا على الشباب وهو خطير فقط على كبار السنّ والذين يعانون من أمراض مزمنة، غاب عنهم أنّ هؤلاء الكبار أو المرضى قد يكونون أمّهاتهم أو آبائهم أو إخوانهم أو أي شخص يعني لهم الكثير، ولكن في تلك اللحظة انتصرت الفردانيّة، وعلى الأغلب كان انتصارها لا واعيًا ولا إراديًا ولا مُدركًا. 

وتعاود الفردانيّة للانتصار من جديد في كل مرّة يخرق فيها أحدهم إجراءات التباعد الجسدي ويخاطر بنقل الفيروس دون أن يعلم لشخص ربما يكون مصابًا بالسكّري أو الضغط أو القلب أو مهما يكن، لأنّه مهما كانت الأعذار والمبرّرات لهذا الخرق، من المؤسف أنّ التفكير بالآخر ليس أحدها. 

يُبرّر الكثيرون عدم التزامهم بأنّ الحياة لا يجب أن تتوقف، نعم الحياة لن تتوقف بالطبع، ولكن استمراراها لا يعني عودتها فورًا كما كانت من قبل، فاستمرارها الآن يجب أن يأخذ شكلًا جديدًا، وأعتقد أنه ما من سبيل أنجع من تفكير كل شخص بمن حوله ليقتنع بأهمية هذا الشكل الجديد. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد