محير موقف قادة الغرب من الدين في زمن فيروس كورونا. فقد غدا ما كان مرفوضًا سابقًا، مقبولًا حاليًا. ورأينا باستغراب كيف دعا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأمريكيين إلى الصلاة لمجابهة الجائحة. كما لاحظنا – بشكل غير معهود- تداخل الشأن السياسي والشأن الديني في عقر دول الغرب، حامية الديمقراطية وراعية العلمانية بأوجهها المقرفة والفاضلة.

لم تمر سوى أيام معدودات على الدعوة الدينية المفاجئة لترامب، حتى نهج نهجه وزير الصحة الإسرائيلي المتدين المتشدد يعقوب ليتسمان، المنتمي لحزب يهوديت هتوراه، حين صرح أمام حشد من الصحفيين قائلًا «آمل أن يأتي المسيح المنتظر قبيل عيد الفصح ليخلصنا من كورونا». سخرت النخبة السياسية من الوزير الذي تقلد أعلى منصب سياسي في وزارة الصحة قبل بضعة أشهر فقط، وأصابته سهام أفيغدور ليبرمان وزير جيش الاحتلال السابق، الذي نعته بـ«وزير صحة متقادم من القرن التاسع عشر».

لم يجانب ليبرمان الصواب حين عبر عن ذلك. فقد مزج الوزير بشكل معيب الديني بالسياسي في تصريح رسمي تناقلته المنابر الإعلامية العالمية. وعرى ما كان الاحتلال يخفيه، مزكيًا بذلك، نظرية إسرائيل الثيوقراطية، المحكومة ولو جزئيًّا من التيار الديني اليهودي المتطرف، وأن هذا الكيان ينهض على الدين كما الأنظمة الثيوقراطية البائدة والحالية.

هجوم ليبرمان على ليتسمان كانت له دواعيه، فالأخير تحدث بصفة وزير مسؤول أمام كل الإسرائيليين بمختلف مشاربهم. ولم يقدم أي خطة أو حل علمي لوقف الوباء المستشري في بلده وفي بقاع العالم. ففي الوقت الذي يفترض أن يحمل خطابه لغة سياسية علمية تحمل طمأنات لشعبه، تضمنت كلمة ليتسمان ما يثبت كون الاحتلال كيانًا ثيوقراطيًّا يتغذى على الدين للبقاء. وهو الذي ما فتئ يسوق صورة الدولة الصهيونية العلمانية أمام المنتظم الدولي بالإمكانيات المادية الهائلة التي يتوفر عليها.

ما جرى، ما هو إلا تراكم لما حدث قبل بخصوص عرب إسرائيل، فالمشهد السياسي الإسرائيلي السائر نحو التعقيد، والصورة التي يصدرها للعالم على أنه بلد ديمقراطي وعلماني بدأت تنكشف. وتحل محلها صورة إسرائيل المفككة داخليًّا، وأن اتحادها سابقًا في إطار القومية اليهودية التي نهضت على أرض فلسطين كان خدعة. بل إن أساس قيامها، هو التكاتف والاندماج المجتمعي لمواجهة قومية (العدو) العربي.

إن خفوت الروح العروبية والانقسام الحاصل بين الدول العربية – دليله حاليًا ما يحدث في القمم العربية وفي الجامعة العربية- جعل الإسرائيليين يعون ما يجري حولهم، ويدركون واقعهم الداخلي، وأنهم مختلفون عن بعض ولا تجمعهم أي قومية. فها هم العلمانيون، وهم أميل للنمط والحياة الغربية، يرفضون تداخل الدين والسياسة. وها هم المتدينون المتطرفون الميالون إلى العزلة – ويشكلون أكثر من مليون نسمة من مجمل سكان الكيان- يحققون انتصارات انتخابية مهمة في السنوات الأخيرة، قد تعسرت مشاورات السلام مع الفسلطينيين.

ما يعمق الشرخ أكثر في صفوف الاحتلال، أنه حتى في زمن الجائحة، يتحدى المتدينون قرار السلطات بمنع التجمع، فيؤدون الشعائر الدينية كما يحلو لهم، وبتحريض من الحاخامات الذين يعتبرون ذلك تضييقًا على حرية المعتقد التي يجب عدم التعدي عليها، ويرون أن على حكومة الاحتلال التمييز بين المدني والديني. هذا التصرف، سيحرك الطرف الآخر الذي امتثل لتوجيهات السلطات، والذي يبدي تخوفًا من استهتار تصرفات المتدينين إن لم يلزموا بيوتهم، ويقيموا شعائرهم الدينية داخلها بعيدًا عن التجمعات، التي أصبحت بؤرًا حقيقية لنقل عدوى فيروس كورونا.

وإذا كانت القرارات الصارمة لسلطات الاحتلال، قد عجلت بخفض التجمعات الدينية باعتقالها لكل من يقيم الشعائر الدينية بمشاركة الغير، فإنها أوضحت الانقسام الحاصل في صفوف المواطنين، حيث هناك فئة من داخل الحكومة وخارجها، غير راضية عن تصرفات حكومة نتنياهو، وتعاملها العنيف مع الفرق المتدينة.

إن هذه الفئة غير العقلانية التي لا يستبعد تأثيرها في جانب أساسي من سياسات إسرائيل الداخلية والخارجية، لا تنتظر لقاحًا لفيروس كورونا بقدر ما تنتظر المسيح ليخلصها من الداء! وهذه لعبة السياسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد