من الصين، انطلق منتشرًا وباء الكوفيد-19 أو ما يعرف (بالكورونا) نسبةً إلى مسببه، غزا جميع أنحاء العالم مُطبقًا لنظرية تأثير الفراشة التي تنص على أنَّ رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير رياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو أفريقيا.

وما هذه النظرية إلا نظرية مجازية تنم عن عمق تأثير حدث معين في الحياة الإنسانية وعلى المدى البعيد.

فقد أودى فيروس كورونا بحياة آلاف الأشخاص، وشلَّ حركة عِدّة دول كبرى، وتسبب بخسائر اقتصادية جسيمة حول العالم، حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية المرض على أنّه جائحة عالمية.

هذا الوباء الخطير أعاد إلينا النظر إلى وباء خطير آخر تمركز في بلادنا منذ قرون واجتاح المدن والقرى، ومازال عصِيًا على الشفاء عند أغلب مصابيه، فتأثير الفراشة فيه يدوم إلى الأبد، ويفوق أمتار البعد متغلغلًا خارج حدود المنطق الكوني.

الوباء الذي يتجذّر متمركزًا بين العقل واللاعقل، يعزف متفاخرًا بأكاذيب الخوارق، فيبعث بإشعاعاته مُسيطرًا على العقول، اتسعت دائرته وانتقلت إلى ميادين التجارة والصناعة والعلم والبحث، بل أيضًا إلى ميادين الحرب والسياسة، إنه وباء الخزعبلات!

ظهر جليًا هذا الوباء مع أول انتشار لمرض الكوفيد 19، وهو أشدّ وطأةً وخطرًا على مجتمعاتنا منه، فإذا كان الكوفيد 19 يحصد الأرواح، فالخزعبلات والخرافات تُبقي على أرواحٍ خالية لا تؤثر إلا سلبًا على الحياة، ومتقاعسة عن الإنتاج، لاهثةً نحو الاستهلاك، ضف إلى ذلك أنّ نسبة الشفاء منها تكاد تكون شبه معدومة، بالإضافة إلى أنّها تهاجم الجهاز التنفسي للمجتمع كافّة ألا وهو العقل، والأهم من هذا كلّه أنّها تسبب تعاملًا مغلوطًا مع الأزمات مما يُنتج كوارث إنسانية هائلة في المجتمع.

فقد انتشرت عدّة فيديوهات لمواطنين وبعض من أصحاب الكلمة في الوطن العربي وهم يدعون بعلاجاتٍ لفيروس الكورونا كالسردين والتفاح الأحمر والليمون والعسل والينسون، وما يُسمى بمادة الكرومونيوم -على حسب وصف المتحدث-! واصلين بنا إلى ما يفوق مستوى الغرابة من خلال دم الضبّ وبول الإبل!

والأسوأ من هذا هو إضافة الخزعبلات الدينية، فمنهم من أعاز سبب انتشار الوباء إلى اقتراب يوم القيامة ومنهم من جعل منه عقاب بسبب كثرة الذنوب والظلم للمسلمين، وكأنّهم يعلمون خفايا الحِكَم الإلهية، ومنهم من توصل إلى العلاج بالقرآن والحديث الشريف والأذكار، وتمادوا إلى درجة التملّس بالمشايخ كعلاج!

وأنا هنا لا أُشكك في أهمية تلاوة القرآن والأذكار التي تُحصِّن الإنسان خلال يومه ولا أُنقص من أهمية الدعاء لرفع البلاء، ولكن هذه الأمور ليست علاجًا لوباء ولا تحصينًا منه في حين كنّا بعيدين كل البعد عن الأخذ بالأسباب.

فإنَّ قوانين المادة العتيدة لا تُماع وفق الأهواء والميول، فالتراب السّبخ المعزول عن الشمس والهواء لا يمكن أن يُنبت زرعًا ولو تُلِيت عليه جميع آيات القرآن.

فلماذا نجعل من ديننا دينًا مشوبًا بأساطير يتداولها أشباه دعاة وأئمة تلقوا تعليمهم وسط المحافل والمنابر التافهة، التي لا تنطق إلا بما هو متماش مع مصالحها ومصالح مربيها؟

وهنا أستذكر قصة الخديوي إسماعيل عندما حارب الحبشة وأحسَّ بخيبات حملاته وجيوشه، أمر علماء الأزهر أن يجتمعوا في صحنه ليقرأوا صحيح البخاري، كأنَّ قراءة السُنّة كلها أو القرآن كلّه ترد الهزيمة عن فرق ضعيفة الخطة والعدة والعتاد!

إنَّ هذا الأسلوب في حل المشكلات عن طريق الأساطير والخزعبلات، ووضع أحداث الكون في موضع (النتيجة) لاختلافاتٍ دينية وعِرقية أو لإثبات أفكارٍ معجونةٍ بالجهل المطلق، مبتعدين كل البعد عن الجوانب الحقيقية للموضوع ليس بجديدٍ علينا، فما هذه الحلول التي يتم استخلاصها إلا تعضيد لفكرة راسخة في الذهن، أو تسويغ لعمل ما، أو اتساق مع أماني يرجوها المرء، أو اتفاق مع حلول سطحية يرتجلها.

فقد قال الكاتب الفرنسي أندريه موروا: «كل ما يتفق مع ميولنا ورغباتنا الخاصة يبدو معقولًا في أعيننا».

فعندما سقطت الرافعة على حجاج بيت الله الحرام أعاز بعض الدعاة السبب إلى قضاء الله وقدره، وأنّه اختارهم من بين العباد ليحظوا بهذه الخاتمة، ولم يتطرقوا إلى نتيجة الإهمال!

وعندما هزمتنا إسرائيل في نكسة حزيران 67 قال البعض إنّ الله عاقب مصر، لأنّها تخلّت عن الإسلام وناصرت الشيوعية والاشتراكية، فهل نفهم من ذلك أنّ الله يحب إسرائيل فجعلها تنتصر؟!

وهناك أيضًا حادثة اشتعال النيران في أحراش أراضينا المحتلة حيث قال المتقاعسون المتواكلون إنّ الله عاقب إسرائيل لمنعها الآذان في المدن العربية، ولكن ماذا لو -لا سمح الله- وصلت النيران للمسجد الأقصى وقتذاك؟!

وبنفس الطريقة تشمَّت أشباههم بالصين وأهلها عند ظهور الكوفيد-19 فيها وقالوا إنّه عقاب إلهي بسبب حربها على المسلمين، وشاءت الأقدار أن ينتقل هذا المرض إلى بلاد المسلمين فيختفي هؤلاء تحت معاطف الخرافات والعواطف الجاهلة.

فإذا ابتعد المرء عن إدراك الحقيقة بتفكيرٍ علميٍ سديد، فكيف يُوفّق إلى حلٍ صحيح لمشكلات الحياة التي تُلاقيه؟

وبالتالي مع انتشار فيروس كورونا الآن في أغلب بقاع العالم لن يُنقذ البشرية منه إلا أصحاب الفكر السديد الذين هم الآن منشغلون في أبحاثهم ومختبراتهم، يعملون بهدوءٍ في قاعٍ عميق بعيد كل البعد عن أمواج الحياة المصطخبة من حولهم، وسيبقى سِواهم في جهلهم وخرافاتهم يعمهون، وبتأثير فراشاتهم ينساقون ضائعون مُغيبون.

فكما يقول الفيلسوف جيمس آلان: «إنّ القدرة الإلهية التي تُكيف مصائرنا مودعة في أنفسنا، بل هي أنفسنا ذاتها!».

فالأجدر بالنفوس المسلمة اتخاذ الأسباب متوكلين على الله، واتباع الأساليب العلمية في حل المشكلات وذلك عن طريق إدراك الحقائق وتحليلها للوصول إلى بر الأمان، بل الأجدر بهذه النفوس أن تمتلك عاطفة تضطرم بالإخلاص الإلهي وتحظى بفكرٍ يستنتج ويتبنى صميم الحق لا صميم الخرافات كي تُسخِّر القدرة الإلهية الكونَ لخدمتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد