يبدو أنَّ الإنسان بطبيعته يلجأ إلى الماورائيات حينما يصاب باليأس، فكل الاعتقادات، وكل الممارسات الروحية عبر العصور قد شكَّلت لنفسها سلطة، ولتلك السلطة أتباع يأتمرون بقوانين سلطاتهم تلك ويؤمنون بها، سواء كان الأمر عقليًّا أو روحيًّا. والأمر برمته هو التسليم من أجل الراحة النفسية. فنرى الكثير على بقاع كل الكرة الأرضية عادات وتقاليد وممارسات صِيغت عبر الزمن وتكوَّنت منها ثقافات تبدو عند البعض غريبة، وعند آخرين مُريبة، وعند غيرهم مُقززة أو خيالية أو مجنونة أو لا يمكن تصديقها حتى. تلك الثقافات المجتمعية وسلطاتها ارتكزت على مفاهيمها الخاصة بها. ولم تمتزج بالحضارة إلًَا القليل، وإلى يومنا هذا توجد مجتمعات لم تصل لمساكنها الكهرباء إيمانًا منها بعدم حاجتها لذلك النوع من الطاقة. وتواصل حياتها على ما توارثت عبر السنين من أدوات الحياة، كالتزاوج ومزاولة حرفة معينة لغرض العيش، والاستطباب من الطُرقِ التي حصلت عليها من القدماء. كل التقنية الهائلة التي اجتاحت العالم، وكل ثورات العِلم التي غيَّرت نمط حياة المليارات من البشر، صارت محض مُراجعة في أول ضربة لوباء كورونا بادئ الأمر، والسبب كما قلنا، أن الإنسان يلجأ إلى الماورائيات حينما يصاب باليأس، حتى أولئك الذين على تماس بحيواتهم اليومية بالعلم، فيستخدمون الهواتف النقالة، وفي بيوتهم إنترنت وتلفازات ذكية يتابعون من خلالها البرامج الاستكشافية والتقارير المنوعة من القنوات الوثائقية، فنراهم أحيانًا يتناقشون حول برنامج معين عرضته ناشيونال جيوغرافيك. نراهم حينما لم يجدوا أن العلم ما يزال يبحث عن لقاح أو علاج حتمي للوباء، لجأوا إلى أفكار الإنسان الأولى، وإلى طرقٍ لم تخطر على بال الإنسان المتحضر الذي يدسُّ في جيبه هاتفًا ذكيًّا يستعمله للتداول المالي وللتعارف بالآخرين في أي مكان من العالم. لقد شاهدتُ على التلفاز مجتمعات لجأت إلى شرب بول الأبقار للوقاية من كورونا. وكان حفل شربهم له طقسًا مُقدَّسًا. حتى إنَّ أحدهم لم يكتفِ بكأس، وبادر صديقٌ له بسكب كمية من قدحه إلى قدح صديقه. كيف يعقل ذلك؟ البول بتعريف العلم هو سائل تنتجه الكلى ويحتوي على سموم. كما أنه سائل مقزز. فكيف ببول البقر؟ على أي شيء تم الاستناد إليه كي يكون الاكتشاف لوباء يقتل الآلاف حاليًا هو بول حيوان؟ ذلك أمرٌ لا يُعقل أبدًا. لكن لو قللنا من شدَّة ردَّة فعلنا إزاء ذلك التصرف ربما نجد المبررات – التي يرفضها العِلم طبعًا – هي محض ثقافات متوارثة لا تمت بأي صلة للعلم. وإنها سلوكيات روحية حاولتْ بعث الطمأنينة بنفوس القلقين، والذين أصابهم هوس تناول أي شيء من أجل التخلص من المرض.

شاهدتُ أيضًا الإقبال على شراء الثوم والبصل، بل إن هذين المنتجان قد ازداد سعرهما، وصار البصل أغلى من الموز والبرتقال والتفاح. ولجأتْ بعض الأمهات إلى إرغام صغارهن على تناول الثوم قبل الإفطار. أما «الحرمل» والذي هو نوع من أنواع البخور. فقد أخذَ المرتبة الأولى في الطلب، وصار دخانه يملأ البيوت. ومن المضحك ما نُشر على بعض صفحات التواصل الاجتماعي أنَّ بعض عصابات المخدرات روَّجت أن العلاج الجيد لهذا الوباء هو جرعة مُخدُّر صغيرة كافية على بث قدر كافٍ من المناعة للجسم لقتل الفيروس. ولا ندري بسبب انشغال العالم كله بمشكلة هذا المرض ما تفعله الأقوام الأخرى والمجتمعات البعيدة عن مظاهر الحضارة وكيفية تعاملها مع الوباء. لكن يبقى الأمر الذي يمكن تفسيره إزاء تلك السلوكيات على أنها الدفاع المؤقت لحين توصل العلم إلى حلٍّ شامل. لأن الحقيقة المهمة التي يجب أنْ يدركها الجميع، ويقرَّ بها البعيد عن العلم والقريب منه، أنَّ الناس كلهم، بكل مشاربهم ومعتقداتهم ومللهم، وفي كل مكان، قد خضعوا لسلطة العلم. وأثبتت هذه السلطة من جديد أنها الأقوى، ولا تُعلى عليها أية سلطة، بل هي المورد الأول لكل السلطات الباقية مهما تمكنتْ تلك بقوتها الروحية من إقناع أو إجبار أو خداع البشرية في إنها الأجدر بالاتباع.

سلطة العلم وحدها الآن من يمسك زمام الأمور، وكل السلطات الأخرى تمدُّ أيديها طلبًا للإنقاذ من الغرق، تمدُّ أيديها إلى سلطة العقل، والذي هو منبع العلم ومنهله. نجد الآن السلطة السياسية بكل أنواعها، الجيدة منها والقبيحة، تُسخِّر كل أدوات سحرها للعلم، الرئيس الأمريكي السابق ترامب، يصرح على التلفاز بأنّ مدى إنتاج اللقاح قد يطول إلى أكثر من عام، ويقرُّ استعمال دواء الملاريا. كل ذلك لم يكن من اكتشاف السلطة السياسية بالطبع، إنما هو من بنات أفكار الطب. ولم يقف أمام رئيس وزراء بريطانيا، بوريس جونسون، إلاّ أنْ يحجر على نفسه ويقرُّ للجمهور بإصابته بكورونا. لقد حجر على نفسه امتثالًا لأوامر العلم، لا السياسة. لم تقف السلطة الدينية بكل اتجاهاتها، وكل أدوات منطقها من دعاوى السلام إلى دعاوى التطرف والتشدد أمام تلك السلطة المثيرة للجدل على مرِّ الأزمنة، والتي طالما لم تقيِّم العلم تقييمًا دقيقًا، واعتبرته حالة جزئية مُسخَّرة للإنسان وحسب، مع أن كل الأديان السماوية، الواضحة والمُفسَّرة بتفاسير كثيرة، أقرّتْ دورَ العلم وأهميته في ارتقاء الإنسانية إلى أفضل المكانات. لقد خضعت سلطة القبيلة، وسلطة المال، وأي نوع من أنواع القيادة، خضعت للعلم، وتمسكت في أمله من أجل إنقاذ كل البشرية، وكي يعود كلٌّ إلى سلطته، أن يعود الكل إلى ترهاته. عليه، فقد تجلَّى نور العلم، بالرغم من كونه في المئة عام الأخيرة، كان صاحب الريادة، القرن الذي قفز فيه تطوُّر الطيران، والأسلحة التي طالما دوَّخنا فيها القادة المولعون بالموت بإنهاء الوجود، والطب، والفضاء، والاستكشافات في أعماق المحيطات، والاتصالات حتى وصل إلى كل فرد في هذا العالم، وصل المفهوم الحقيقي بجعل العالم قرية صغيرة. تطور كل شيء بفضل العلماء الذين أفنوا وقتهم لأجل الإنسانية كلها، ولم يبخلوا، كما لم يبخل الآن كل مخبري في إهداء المعلومة للبشرية، وتجنبها كارثة الفناء. ولا ندعو لليأس، لكن العلم هو الوحيد الذي لن يتوقف أمام صعوبة المجابهة فيما لو يتم اكتشاف العلاج النهائي للوباء، سيكون هنالك ضحايا كثر، وسيفقد الكثير من محبيهم، إلاّ أننا نأمل أن تكون مجرد معركة، من حرب لا نودُّ لها أن تكون طويلة، ونأمل كل الأمل في انتهائها بخسائر أقل للبشرية في كل بقاع الأرض، وهي حتمًا، ستحسم على يد العلم. بقي العلم طيلة قرن مضى يبرهن باكتشافاتٍ أشبه بالسحر والخيال والحلم، في أنه الوحيد القادر على مواصلة الحياة، بينما السلطات الأخرى، أقحمته في حروب مؤلمة، وشوهت حقيقة الإنسان إلى الحدِّ الذي كان اكتشاف القنبلة النووية أمرًا يسيرًا لو تمت مقارنته بالفظائع التي حصلت في حروب أنتجتها سلطات التدين، والقومية، والقبيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد