يقول فرويد في كتابه «عسر الحضارة»: «إنَّ النظام والنظافة يؤلفان قسمًا من المطالب الرئيسة للحضارة». والتجريب أو التلاعب أو العبث بالنظام من قبل أي شخصٍ يعدّ بمثابة العبث بكل وجود المجتمع.

النظام الطبيعي الذي ألفناه، نراه في تغيّرٍ مستمر، وقد نأسف كثيرًا، حينما نجد ثمة تغيّرًا قد حصل حتى لو كان يبعد عنّا آلاف الكيلومترات. كثير منا لا يسكن في القطب الشمالي، لكنه يحزن كثيرًا حينما يسمع من الأخبار عن ذوبان الثلوج هناك. وكثير تابع على التلفاز وعبر كل الوسائط حرائق غابات الأمازون التي تعد رئة الأرض، تابع بحزن بالغ الأسى العالمي لذلك الحدث؛ لأنه يشعر جيدًا بالانتماء لهذه الأرض، وأنه سيتأثر حتى لو كان بعيدًا جدًّا عن حريق الأمازون أو حرائق أستراليا ويشاهد هروب الحيوانات التي تسكن براريها، كون كل ذلك هو من عوامل التوازن الطبيعي لذلك النظام، والكثير يفكّر مليًّا بأنه مُهدد مثل أي كنغر هارب يبحث عن ملاذ يأويه من الحرائق. وربما سيتعرض للانقراض لو توفرت العوامل التي تؤدي إلى هروبه وبحثه عن ملاذ آمن له.

كذلك سيختل كل شيء لو فُقد النظام الذي وضعته البشرية لنفسها بسبب أي طارئ يجعل الإنسان خائفًا وهاربًا، مما يسوقه إلى ضرب كل الأنظمة، واللوائح عرض الحائط، ثم تبدأ الحضارة بالتأثر لأن عاملًا منها قد اختلَّ.

النظام هو أحد العناصر المهمة للوجود البشري، به واصلت البشرية مسيرتها وبدّلت مع الأزمنة وجوه حضارتها من أجل الارتقاء بنفسها. وبدونه يتحول الإنسان إلى كائن عادي جدًّا، لا حول له ولا قوة، ويكون كل شيء يحيطه أداة تتحكم به، متى ما شاءت أبقته، ومتى ما شاءت أفنته مثلما فُعِل بالزرافة البيضاء التي كانت آمنة بنظامٍ ما في براري أفريقيا. لكنها بخطأ أحمق، اختفت ولم يبقَ منها إلاّ ذكر في سجلات الحيوانات المنقرضة، مثل الديناصورات والماموث.

ولو استمر التدخل في الأنظمة الطبيعية الوضعية. فلماذا لا يكون الإنسان ذلك الكائن الضعيف التي تترصد به التبدلات، ويدخل هو الآخر في سجل المنقرضين، وتمضي الأرض في المجرة التي هو ضمنها قدمًا، تحتفظ بعناصر الحياة لباقي المخلوقات التي على سطحها وفي سمائها ومائها وهوائها. حتى الأرض، هي عبارة عن كوكب ليس قابلًا للخلود. ومعرضة للفناء أو التجدد.

ولكلتا الحالتين عواملهما الداخلية والخارجية أيضًا. ما نريد أن نهتم هنا ما يؤثر على الإنسان وما يؤثِّر الإنسان به. خصوصًا أنّ عبث الإنسان فيها قد فاق حدّه، والأرض ببساطة لو افترضناها كائنًا حيًّا بسبب ما تحتويه من حياة، فهي مُعرّضة للإجهاد، وقد تموت وتنتهي فيها الحياة إذا ما اختل توازن الوجود والحياة وفق نظرية القدامى من الحكماء باختلال أسباب الوجود الأربع: الماء والهواء والتراب والنار. قالوا إن عناصر الحياة تلك هي التي وهبت لنا هذا العالم وهذا الوجود. وحقيقة الأمر. لو أنّ الهواء قد اختل ولم يعد بنسبته التي حللها العلماء الحديثون لاختلف الوجود الذي يحيط بنا ونعيش فيه. كذلك نسب الماء والتراب (الأرض) والنار والتي باعتقادنا هي (الحرارة).كوكب الأرض كائن حي (كبير) ومستقل بنفسه مثل أي كائن يحتويه.

وحتى الآن تجتهد علوم الفضاء في البحث عن كوكب فيه من الخصائص ما يشبه الأرض. ونعتقد بأن ذلك البحث في حقيقته هو البحث عن حياة في مكان آخر. إذ طالما وجِدتْ العناصر التي تجعل من البحار تحتوي أكبر الكائنات، والسماء تجمع الطيور والسحاب، والتراب الذي تنبت فيه الثمار الحلوة والمرة والحامضة والمالحة، وتستخرج منه المعادن النفيسة ومواد أسلحة الدمار الشامل، وكل ما يتنفس على السطح، لوجدت بشكل طبيعي الحياة.

علم الفضاء ما زال يطارد تلك الفكرة في الاعتقاد بوجود ذلك النوع من الكواكب التي تخوي مخلوقاتٍ حية. وليس بإمكان أحد أن يجزم بوجود الحياة التامة خارج كوكبنا من عدمه. ولا نريد أن نسافر إلى هناك ونغادر فكرة أن هذا الكوكب قابل للفناء أو التجدد، لأنه كائن حي، وكلنا ممن يشترك بدورة الحياة، يولد وينمو ويكبر ويشيخ ويفنى. وعلى سبيل هذا الطرح، فالأرض كان لها تاريخ ولادة، لا احد يدري بالضبط متى.

ثمة نظريات كثيرة تقدر ذلك بملايين السنين، لكن التحديد الدقيق لذلك لا يمكن إثباته. ثم بعد ذلك نمتْ الأرض، انهمرت فيها مياه الامطار، كستها الأعشاب والأشجار، تنوّعت على سطحها الموجودات وبدأت الحياة الكاملة عليها بفعل العناصر التي أخبرنا بها الحكماء القدامى. وذلك لا يعني الاستمرار، وربما كانت أسباب عصور التجمد هي واحدة من تبلور الأرض نحو التجدد، تجددٍ دفعت ثمنه كائنات أخرى وعلى حساب وجودها، فاندثرت الديناصورات وحيوانات كثيرة أخرى، انتهت أقوام بشرية عن بكرة أبيها بسبب تلك التغيرات، وتبدلت معالم مثل التضاريس والجبال والأودية. وبالرغم من أن كل تجدد يصيب الأرض يأخذ وقتًا قد يكون مئات السنين، تتغير عبره درجات الحرارة، وخصائص التربة ونسب الهواء وعذوبة الماء. إلاّ اأه أمر وشيك الحصول لأسباب قد تكون طبيعية، أو تلك المصنوعة من يد الإنسان، لأنه الكائن الوحيد الذي يتدخل في كل الشؤون دون غيره. لم تتدخل الفيلة ولا الأسود أو الفراشات في شأن الارض مثلما فعل الإنسان، وخصَّ في النهاية الأرض له دون غيره واعتبرها ملكًا له، ولو لا أنه اكتشف أن التوازن الطبيعي لابد أن تتشارك كل الموجودات الحية في استمرار حياته لأفنى الحيوانات كلها، وأحرق الغابات وأحال الأرض إلى مدينة صناعية كبرى، يتغذى منها بالغذاء المّصّنَع من الأحجار. الأسباب الخارجية تكاد تكون الأكثر والأكبر تحديًّا لكوكب الأرض، هي في الحقيقة سبب فنائه، بدليل أن ملايين السنين التي انقضت ومرت بها الأرض، وكل التبدلات الطبيعية التي غيّرت من معالم وجه الأرض ومناخها، لم تحكم على الأرض بالفناء، ولم تقض على مواصفاتها كمكان صالح للحياة، وساعدت إلى حدٍّ كبير في تجديدها. بينما ساعدت العوامل المصطنعة بالعمل على إضعاف الكثير من مواصفاتها، وجعلتنا نفكر جيدًا بأن الأرض التي كانت مُهددة بنجم كبير آتٍ من الفضاء جاء ليحطمها ومن عليها، هي في الحقيقة مُهددَة من الداخل، أتاحَ لمنتجات البلاستك خالدة الوجود أعظم فرصة لتلويث الأرض والماء والهواء والحرارة، صُنع القنابل النووية والهيدروجينية غيّر بدوره خواص المنتجات الزراعية وأحالها إلى منتجات غير عضوية ضارة بصحته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد