مسألة تبادل المعلومات هي أول شيء أخلاقي كان على الجميع التعاون فيه. وترك كل شيء جانبًا حتى لو بشكل مؤقت. لأن لا أحد يدري كم العدد الذي سيموت فيه حول دول العالم، ولا أحد يدري ما مضاعفات المرض بعد الشفاء، لا أحد يدري إن كان اللقاح المفترض (والذي لحد اللحظة هذه، بعد مرور أربعة أشهر من انتشار الوباء) سيجدي نفعًا على المدى الطويل، وهل على البشرية التعايش مع المرض على أنه أحد السكان الجدد للأرض، واعتباره مرضًا مثل باقي الأمراض الموجودة؟ الكثير من تلك الأسئلة ستبدو سطحية وساذجة لو أن هنالك أمرًا مخفيًّا على الجميع، تعلمُ به دول ما ولم تتشارك المعلومة. سيبدو الأمر وقحًا بالفعل وفظيعًا ولا يمكن أن يُغفَر له. لأن من قضى بسبب الوباء كان يثق بالعالم قبل أن يموت، وأنه ليس معنيًّا بالمعلومات المخفية. الكل كان بعيدًا عمّا يدور في كواليس السياسة والتنافس الدولي. ولا ذنب لأي ضحية لو أنَّ الافتراض اتضح فيما بعد، بعد عشر سنين، أو خمسين أو حتى مئة. وتم الإفصاح عن المعلومات السرية كما تظهر بين الفترة والأخرى معلومات سرية تخصُّ حوادث وقعت قبل عقود طويلة مضت. لنعد مجددًا إلى التساؤل الأول: لماذا انتشر بسرعة في دول دون أخرى؟ ثمة أسباب طبيعية مثل استمرار السفر فيما بين إيران والصين، فقد بقيت الرحلات وجرى إحصاؤها بما يزيد على 50 رحلة طيران فيما بين البلدين، بينما كانت الصين في ذروة الوباء. أما إيطاليا، فقد كانت الدهشة من انكسارها تسكت الجميع، خصوصًا وأن نظرة الدول الفقيرة والنامية وهي الأغلبية العالمية، كانت نظرتها إلى أوروبا نظرة حسد بسبب التقدم الجميل فيها وفي كل الميادين، والكل كان يظن أن الوباء سيصيب عددًا معينًا ثم ينتهي بعلاجٍ أو لقاح، لكن الأخبار المُحزنة عن ذلك البلد كانت في صدارة كل المحطات الفضائية. تبع إيطاليا أمريكا التي يأخذ منها الوباء كل يوم الآلاف، ولم تكن بعيدة فرنسا أو ألمانيا أو إسبانيا. لماذا تلك الدول، ألم يكن الفرد فيها يعي حجم الخطر؟ خصوصًا وأنّ نوع الخطر هو حياته. في الحقيقة، إن الأمر يعد كله استهانة. ولا يمكن أن يوصف بغير ذلك. لقد استهان الجميع بالوباء لأن الذاكرة البشرية لم تكن مُزودة بالصورة الواقعية لما سيكون عليه العالم، وكان التصور الوحيد لديهم هو أرشفة للأوبئة التي مرّت قبل قرن من الزمان، وثمة تقارير مرئية نُشرت عن تكرار الوباء كل مئة عام. لكن ذلك كان بعد الكارثة؛ إذ لم يكن أحد على دراية. وذهب كلٌ إلى فكرة ركنَ إليها ذهنه في أن الأمر لا يعدو على أنه مؤامرة على مستوى دولي، بينما ظن آخرون بتنافس اقتصادي قذر، وذهب آخرون إلى عملية احتكار لدواء للوباء وأنه من صنع الإنسان لذلك الأمر. سنتطرق في بقية الكتاب إلى أبعاد جديدة تخص الوجود البشري وحياته، وكيف ستكون الحياة فيما بعد الوباء، ونبين برأينا ما سيكون عليه الإنسان والعالم عبر جوانب الفكر والعلم والسياسة والاجتماع والفن والأدب والاقتصاد. فقد تأثرَ كل شيء، وثمة من تبنَّى فكرة أن عالم ما قبل كورونا ليس عالم ما بعدها. فمَا الذي سيتغير؟ وهل حقًّا ثمة متغيرات ستحصل؟ كيف سيكون إنسان ما بعد كورونا؟ ومتى ستتجاوز ذاكرته الأزمة؟

في الصين، تم اعتماد ثقافة جديدة في أيام الوباء، وهي افتراض أنّ الكل مصاب، أي وجوب التفهم بأن التباعد هو إحدى ضرورات الوقاية. تلك الثقافة ستبني مفاهيم كثيرة في عالم ما بعد الوباء، ربما لن تكون قائمة إلى الأبد، لكنها في الأقل ستكون مصدر القلق الذي انتابهم كمجتمع، وأنّ عليهم الحذر من كل شيء، سيكون القلق والحذر ركني ثقافة الوباء، وليس فيما بين المجتمع الواحد، إنما سيحذر أي شخص في العالم من الإنسان الصيني، باعتبار أن ثقافة بلده في أكل الحيوانات غير المرغوب فيها من قبل العديد من المجتمعات هي من تسبب في انتقال المرض كما ذكرنا سابقًا. وحتى بدون ذلك السبب، ستكون الصين ومواطنوها مصدرًا يحاذر منه أي إنسان. ثقافة التباعد وإن كانت طريقة وقاية اعتُمدت في وقت الوباء، لكنها ستترسخ في ذهنية المجتمعات لمدة من الزمن، وسيعتمد بقاؤها على ما ستقدمه التقارير الطبية. ولا ننسى أن نذكر أن هنالك الكثير في المجتمع لا يؤمن كثيرًا بتلك التقارير، ويبقى هاجس القلق موجودًا بداخله، يتلاعب به دون أن يشعر، وتلك تبعة بسيطة خلقتها كورونا. الثقافة الجمعية تأتي عبر طرق كثيرة، وقد يكون الخوف واحدًا من تلك الطرق، مثال ذلك هو الحكم الاستبدادي الذي يولِّد الخوف والرعب بسلوكياته إزاء أي مجتمع، فيغرس في أذهان الجميع صور العواقب عبر عيّنات في المجتمع، يُصدر قوانين صارمة، يصنع أجهزة قمعية مميتة، يعدم أشخاصًا. تلك السلوكيات تصنع الرعب في المجتمع قاطبة. كذلك الحال في تأثير الوباء، والخوف هنا، له مبرراته كونه يخصُّ حياة الفرد، بل إن هذا الخوف نما عبر وسائل التثقيف التي تلقتها المجتمعات عبر وسائل التواصل الكثيرة التي نقلت صور المصابين، وإنشاء المشافي وشرح طرق العدوى والإجراءات الحكومية، وصور الأموات وبزّات الوقاية غريبة الشكل، ونقص الكمامات، وسرعة الانتقال، وأخبار الوفيات، والتقارير الطبية الجديدة، والكثير من هذه الأشياء. لم تسهم في ثقافة الوقاية أكثر مما أسهمت في غرس ثقافة الخوف الجمعي العالمي. ولا نعتقد بشكل مُطلق بأن الأوبئة التي حلَّت في القرون الماضية كان لها الصدى الثقافي الجمعي، كونها انحصرت في بقعة ما من الأرض، وأخذَ امر انتشارها وقتًا إضافيًّا. فلم يكن هنالك لا صور ولا كل ما تم نقله عبر وسائل التواصل والإعلام. وحسب ما نقلته الأخبار عن جريمة قتلٍ كان سببها الرئيس هو الخوف، فقد ظن أحدهم بإصابته بالعدوى من زميلة معه في العمل، فقام بخنقها حتى الموت لأنه حمّلها مسؤولية إصابته بمجرد ظهور أعراض فيه شبيهة بأعراض الوباء، وبعد فحص الضحية تبيّن أنها لم تكن مصابة. لقد فقدت حياتها بسبب التوتر الحاصل بفعل ضغط الأخبار والمشاهدة. فما تعليل ذلك؟ لقد ساهمت كل تلك المعطيات، الواعدة منها، المُحذّرة والمخيفة والجيدة على الضغط على كل المجتمعات، الفقيرة منها الغنية، المرفهة وتلك التي تعيش على هامش الحياة، التي تتمتع بوعيٍ جيد والتي ليست كذلك، وأصبح كل شيء يخصُّ كورونا هو يخص حياة الفرد ويستهدفها. ثقافات المجتمعات الرقمية اتحدت في التفكير، وتساوت فيما يخص وجودها. والمرء الذي يسكن أقصى الريف في أي دولة في العالم صار بإمكانه أن يلتقي عبر جوّاله بأبعد شخص، بإمكانه أن يلتقي بفنان مشهور، أو مذيعة أخبار. هكذا تساوت المجتمعات في العالم الافتراضي، وهذا العالم بالذات ساهم بإتعاب الجميع بالرغم من كونه صار الملاذ الأخير فترة الحجر المنزلي. وفي الوقت نفسه، نظن أن الحكومات التي أتعبتها المواجهة مع الوباء، كانت تنقل أخبارًا كاذبة عن أعداد ضحاياها مثلما تفعل في نقل أخبار معاركها مع أي دولة تقاتلها، تمامًا، كانت تنقل الأعداد الضئيلة لموتى كورونا لأجل التخفيف النفسي عن المجتمع، الغرض بكل تفاصيله لم يكن تصرُّفًا سياسيًّا، ولا خديعة حكومية لإخفاء الفشل المفاجئ في المواجهة، لكن التصرف الوحيد الذي كان أمام الحكومات هو عرض الأخبار المُخففة. بينما كانت المجتمعات تشاهد الحقيقة عبر وسائل التواصل وهي تعرض صور الشاحنات الكبيرة التي تنقل الجثث، والمقابر التي تُعدّ في ظلام الليل، وطرق الدفن السري للضحايا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد