أمَّا غير المقتنعين بوجود النظرية في وباء كورونا، فهم استندوا أيضًا إلى جملة من النقاط، وكانت دعواتهم هي التخلي عن تبادل كل الاتهامات من أجل تجاوز الأزمة الجبَّارة التي أنهكت المجتمعات بصورة كليَّة، والالتقاء من أجل حلٍّ بإنتاج علاج أو لقاح، ثم التفكير فيما بعد ذلك، لأن الأهم والأخطر هو ما بعد كورونا، وقد شرع كثير من المختصين بالسياسة والاقتصاد والفكر والاجتماع بطرح رؤاهم في عالم ما بعد كورونا، حتى أولئك الشامتين بالرفاهية الأوروبية، فقد أدلوا بدلوهم وعدوا إصابة إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا نوعًا من العقوبات التي يجب من خلالها أن تفكِّر تلك المجتمعات بأنَّها ليست محصَّنةً من الأخطار، وأنَّ الرفاهية التي تنعم بها، ليست حكرًا عليها. إنَّها نوع من العقوبات بسبب عذابات كثير من المجتمعات حول العالم، عذابات الفقر والاضطهاد وعدم الدعم الإنساني المؤثر من قبل أوروبا لها. وبغض النظر عن الأسباب، وبالعودة إلى عدم المقتنعين بوجود نظرية مؤامرة إزاء كورونا. فقد كانت دعواتهم ذات مفاهيم حملت القيمة الإنسانية بين طياتها. بالإضافة إلى تبنِّي بعض الأفكار التي لا تؤمن حتى بالنظرية. كون الوباء قد أصاب الرأسمالية والاشتراكية معًا وكل أشكال التنظيم الاقتصادي والفكري، وقد شلَّ قطاعاتهما الاقتصادية وضرب ضربته في صميم أنظمتهما. وقد يأخذ الأمر وقتًا بعد انزياح الوباء في مداواة جراحهما، إلَّا أنَّ الأهم في ذلك هو الاستفاضة العلمية التي على جميع الدول القوية السعي من أجلها كي يتم الوصول إلى علاج نهائي يقضي على الوباء بشكلٍ كامل. وكما أسلفنا، لا نقول إننا مع المتبنِّين لرؤاهم أو ضدهم. لكن الإسقاط الفكري لهذه النظرية على الوباء كان له الشأن الأبرز في تداول مجمل الافتراضات بسبب الاعتقادات الكثيرة في أنَّ العالم قبل كورونا ليس العالم نفسه بعدها.

وضعَ العالم كل التجارب الطبيّة السابقة في مجابهة الأمراض السارية قيد التنفيذ في مواجهة كورونا على اعتبار أنَّ هذا الوباء له خصائص مشتركة مع أمراض أخرى بوصفه مرضًا معديًا. وأول تلك التجارب هي ما يُعرف بمناعة القطيع، وهي طريقة قديمة اعتمدت على الخارجين من معركة الوباء وأصبحوا أصحَّاء مُحصَّنين لا خطر منهم على من لم يُصابوا. الطريقة هذه هي خطوة مختصَّة جداً، وليس لنا فيها سوى المعلومات الثقافية لا أكثر والتي تلقيناها من الأخبار المعنية بالوباء، والقراءة الجانبية الأخرى من المقالات ذات العلاقة. بدت هذه الطريقة قديمةً عند البعض، مثل أي افتراض تم طرحه من أجل الوصول إلى حلٍّ، حتى لو كان مؤقتًا ويعيق انتشار الوباء. هذا السلاح القديم هو بمثابة تقديم جيش مشاة جرَّار نحو حقل ألغام لا معلومات عنه; ما حجمه، وما نوع الألغام الموضوعة فيه، وهل هي مُعدَّة للمشاة أم للآلات المدرعة؟. ونكرِّر قولنا إنَّه إجراء اختصاصي لا دخل لأحد فيه. بيد أنَّنا لم نجد على أرض الواقع فرقًا سوى انفجار تلك الألغام في عشرات أو مئات الراجلين. والسبب هو أنَّ البحوث العلمية لم تثبت أنَّ المُتعافين من كورونا باتوا حقًّا محصّنين، وأنّهم ليسوا ناقلين لغيرهم ممن لم يصبهم هذا الفيروس. نلحظ أنَّ الطُرق في المواجهة كانت منها البدائية، ومنها المُبتكَرة مثل الحجر المنزلي التي لم تسعف المجتمع، وأنَّ الضحايا هم ضحايا طُرق مواجهة بالدرجة الأولى ثم الوباء بالدرجة الثانية ضحايا، ويرجع سبب ذلك إلى التجربة الجديدة التي يواجهها العالم لمرضٍ معدٍ لا توجد بحوث علمية مؤكدة في توصيفه. وكل يوم تظهر دراسة تُفنِّد سابقتها، وتحيَّر الناس: أي الطرق يتَّبعون : دراسة حذرت من الأجسام الملساء مثل مقابض الأبواب، وأخرى لم تتفق مع ذلك وقالت بأن الاختلاط طويل المدى مع المصابين هو السبب الحقيقي لانتقال الوباء. تلك الدراسات الكثيرة أسهمت في رفض كثير من المعطيات لحين استخراج نتائج نهائية. ألا إنَّ المواجهة مع الوباء بلغت حدًّا لا يُصدّق مع ازدياد أعداد الضحايا وتكاثر المآسي. ومناعة القطيع هي واحدة من التجارب التي لم تنفع في الحقيقة. غير أنَّها كانت واحدةً من المحاولات. واعتمدت على ضربة حظ حكومية لا علمية. والظن الغالب أنَّ الحكومات التي اعتمدت على مبدأ مناعة القطيع أرادت مواجهة مرحلة الذروة بكل عواقبها المميتة من أجل إنهاء الحرب مهما كانت المعارك شرسة ومُكلفة. لأن السطات التي فرضت الحظر المشدَّد لم تجنِ من محاولاتها غير تأجيل الحرب مع الوباء. ربما قد استخلصت أن التوقف الاقتصادي ومضاعفات غلق التبادل التجاري والطيران والسوق المحلية إلى وقت غير محدد، سيستهلك كثيرًا من مدَّخرات الحكومات والقطاعات الخاصة. لذا، فقد كانت فكرة مناعة القطيع هي محاولة زجِّ الجميع في الحرب الوبائية بغية الوصول إلى الذروة ثم الاجتياز. وهذا الحل في الأساس محاولة سياسية صرفة لا علاقة للطب فيها. وإنْ صحَّ ذلك. فذاك يعني أنَّ الحكومات قد تصرفت بعقلية المجابهة العسكرية، وأنها أرسلت كل جنودها المشاة إلى حقل الألغام المجهول. نعم، إنَّ أكثر الدول أرادت بلوغ مرحلة الذروة بأي ثمن وصولًا إلى مرحلة تسطيح المنحنى. وهذه التجربة بكل اختصار هي تجربة غير أخلاقية. اعتمدت على مبادئ الحرب بكل وقاحة. وقد تكون الذريعة هي ضغط البطالة المتولدة من تأثيرات الوباء. إلا أنَّ الأنظمة السياسية بكل توجهاتها، وبكل التزامها بنوع الأنظمة الاقتصادية التي تنتهجها، لم تكن بالقدر الكافي من المسؤولية في التكفل باحتياجات العاطلين عن العمل ممن تأثَّروا بالوباء بمساعدات مفتوحة كما لو كانوا يعملون بالفعل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد