تلك التجربة المريرة، وعلى ما نظن، لم تكن تتصل بعلاقة لحالة الدفاع أو الهجوم. بل كانت مجرّد طريقة يموت فيها من يموت وينجو من ينجو. وتعكس بصورة واضحة حالة القهر السلطوي للبشر. وتعتمد على مبدأ بقاء الدولة ذات النوع الذي يحاول ألا يكون للوباء مضاعفات سلبية وتحركات مجتمعية ضدها. لأن هذا الوباء لن يترك الكثير من الأنظمة وشأنها، بل سيكون الدافع في تدمير بعضها، يزيح سلطات ويخلق ثورات. الأنظمة المتمكّنة والتي ستحاول التعويض بمؤازرة العِلم بصفته قائد المعركة. وتستعمل تلك المؤازرة في استذكار الضحايا واعتبار الوباء مثل حرب قديمة شارك فيها الجميع. وكان هنالك ثمة انتصار. بينما الحقيقة تقول : لم يكن هنالك أي انتصار أمام الوباء. لأن العالم في الأساس لم يكن مُستعدّاً للمواجهة. وظهرت هشاشته في كُلّ المفاصل. بينما استنزفت حيوات الكثير، استُعملت طرق لغرض التجربة مثلما استعملت أدوية الملاريا وغيرها. لقد كانت مجتمعات العالم كلّها عزّل، ولا قوة لها غير المناعة الطبيعية، في حين بقيت السلطات تنتظر المنحنى متى ينخفض معدَّله كي تباشر نشاطاتها الأخرى مثل المنافسات السياسية والصراعات وصناعة السلاح والحروب.

كانت النظرة المستقبلية لشكل العمل ذات بُعد خيالي بنسبةٍ ما. فقد افترض الكثيرون أنّ العمل عن بعد هو أحد تطلعات التقدم اعتمادًا على التكنولوجية، التي ستغير شكل العمل. وبينما كان هناك رافض للفكرة بوصها لن تغير نمط العمل، إنّما ستغير الكثير من السلوكيات، وستحيل حياة الإنسان إلى كائن منعزل سيعمل خلف الأدوات الرقمية، ويحلّ محله الذكاء الاصطناعي الذي سيتولى الحياة. تلك النظرة المتشائمة كانت لها مبرراتها. لأن الذكاء الاصطناعي لن يتدخل بالتغير وحسب، بل ستسهم به صناعة ذلك الذكاء إلى جعله المتصرف اكثر من الإنسان نفسه. كذلك فإن الانطباع في أن يكون الإنسان بدون محل عمل تحت اعتبار أنّه ينجز ما عليه من خلال منزله ليس بالأمر السهل تقبُّله. أمّا المتقبلين لفكرة العمل عن بعد فهم بالدرجة الأساس التقنيون والمبدعون في مجال النُظم الرقمية، وصانعو الروبوتات وطائرات الدرون، ومن على شاكلتهم. أولئك كانت أفكار صناعاتهم مستقبلية قبل كُلّ شيء، وقد يبدو أنّهم كسالى من فرط الذكاء الذي ينتجونه. ولا يبالون إلى التغيرات الاجتماعية والتأثيرات التي من شأنها أن تسهم في تغيير أنماط العمل. وعمومًا، كان العمل قبل الوباء يمضي بشقيه: عن بعد كنوع جديد يجب تجريبه. والتقليدي الذي يجمع كُلّ عاملي العالم بأماكن عملهم. حتى جاء الوباء بكل ما يحمل من مفاجآت للعالم وجعلَ النمط الجديد على المحك، النمط الذي لم يوفّق في إثبات فرضيته بصورة شاملة. ربما لأن السبب الحقيقي كان في المباغتة التي قام بها الوباء وأربك كُلّ القطاعات ومن ضمنها العمل عن بُعد. لكن الحقيقة إنّ هذه الفكرة مهما بدت مدعومة من قبل الحضارة التقنية، لا يمكن أن تبرهن نجاحها بشكل كامل حتى على القطاعات التكنولوجية البحتة. ظرف الوباء أوقف العالم كله، ولم يستثني العامل القابع في منزله من أجل إنجاز عملي تحريري من حاسوبه ثم إرساله بواسطة الأنترنت إلى رئيس عمله للإمضاء عليه، لأن ذلك العامل هو أيضاً لم يتقبل هذا التغير كونه يرى الجميع مُعطّلا. و لكي لا نكون متجنّين على هذا النوع، فهو يعد فكرة مواكبة للحضارة. وذات حافز على المضي إلى المستقبل. إلاّ أنّه إلى الآن مجرّد فكرة جزئية التطبيق. ولن يكون كاملًا أبدًا حتى بعد اجتياز العالم للوباء. لأن نمط العمل الميداني يعدّ نفسه الأول والوحيد على الأرض، ارتبط وجوده بعنصري العامل والميدان، منذ بداية النشاط البشري في العمل لم توضع خطط بديلة. ربما تتغير الأفكار وتتقدم التقنية ويتغير النوع وتُشرّع القوانين في مجال العمل. غير أنّ المبدأ الأساس يبقى في وجود الميدان. ربما ظهرت فكرة الـ(عن بعد) في مجالات أخرى، بيد أنّها كانت جزئية. مثال ذلك التعليم عن بعد، نجد طموح التقنية الرقمية لأثبات وجودها في وضع منصات تعليمية توضّح فيها شروحات المناهج والدروس والامتحانات. يتلقى فيها الدارس من بيته كُلّ ما يريد، لكن بقي الأمر نظريًّا لا غير. فبالإمكان دراسة العلوم الإنسانية مثل التاريخ أو الفلسفة أو اللغات عبر تلك المنصات، لا يلتقي الدارس فيها بمُدّرسه أبدًا، ويحصل على اعلى الشهادات عبر تلك العملية. إلاّ أنّه في العلوم التي تحتاج لتطبيقات عملية، فقد توقف أمر التلقي عن بعد. أيضاً، سعتْ الدول المتقدمة وحتى تلك التي أدخلت التقنية الرقمية بقوة في نشاطات مؤسساتها، سعت إلى اختصار الكثير من المعاملات التي تخصّ الفرد، مثل إصدار بطاقة الهوية الشخصية، أو أي مستمسك آخر يخصه عبر الأجهزة الحوسبية المُعبّأة ببيانات الأفراد. تلك الرؤى أسهمت في اختصار الوقت وإلغاء الصور الروتينية للعمل، لكنها لم تكن تهدف إلى الانتقال إلى العمل عن بعد. تلك الفكرة الطموحة أثبتت عدم امتلاكها كُلّ مقومات التحوّل وصولًا إلى إلغاء ميدان العمل. ولو أنّها أسهمت بجزء من الأعمال وتمكنت من إلغاء الميدان فسيظهر تخصص جديد، يُصنّف وفقه العمل فيه والعمل إلى صنفين: عمل ميداني يعمل فيه مختصون، وآخر غير ميداني له أناسه أيضًا. وستظهر وفق هذا التصنيف أطرٌ ومفاهيم وقوانين جديدة، تحدد أجر العمل في كُلّ صنف، وإمكانية انتقال التخصصات فيما بين الصنفين، ومعالجة التوافق فيما بين الاثنين في تحقيق المساواة. ونحن كمدركين بحركة التغير عبر الزمن. نسجل إنّ تأثير الوباء في مفاصل الحياة كانت كبيرة، ويستعد الجميع على مواجهة التغيرات المتوقع حدوثها وعلى النوعين منها، الشمولية والجزئية. ونصنّف إنّ فكرة العمل أو التلقي في أي إجراء استعملت فيه الفكرة التباعدية هي مُتغير جزئي طارئ ومؤقت، أفرزته ظروف معروفة عالميا. لكنها في الأقل تعد مكسبا لرواد التقنية ومنظّري العمل ومؤيدي المدارس والجامعات الذكية المُعتمدة على الأجهزة اللوحية والحواسيب. مع مراعاة وضع افتراضات أكثر حزمًا في أنّ التخلي عن ميادين العمل لا تعني وضعها في خانة الأفكار الكلاسيكية، أو إنهاء وجودها إلى الأبد، على اعتبار إنّ مستلزمات العمل عن بعد قد تخضع لظروفٍ أكثر قهرًا من ظروف الوباء. لأن الرقمية مهددة هي الأخرى بجملة تحديات، منها ما يكون فنيًّا مثل التعرض للتوقفات الكبيرة والأعطال غير المحسوبة، ومنها ما هو اكثر من ذلك مثل عبث الاختراقات وما يحصل من خلالها من تدمير للمعلومة والتلاعب بها. العالم رغم تصوّرنا عنه بالمتقدم والخارق. لكنه ما يزال لا يستطيع التخلي عن الورق والأقلام والأضابير. بل وتُعد تلك الأدوات القديمة هي الإثبات في عائدية المعلومة وصحتها. فكرة الكتب الإلكترونية التي يغصّ بها الأنترنت، تلتها فكرة الكتب المسموعة كصورة متقدمة في نشر المعلومة. لم تُغن الكثير من الاستناد على الكتب الورقية واعتبارها الوثيق الرسمي في اعتماد المُلكية أنّ الكل بلا استثناء احبَّ التقدم الرقمي الذي كان مصدر الهام لحالة العلم العجيبة التي تتحقق في هذا المجال. لكن محاولة غزو تلك التقنية لكلاسيكية العمل لم تكن ناجحة، ولم تنقذ الكثير من الأعمال، لأن الإنسانية كلها، لم تستعد لهذا الصنف الجديد. ولا يمكن أن يكون بيوم ما انسجامًا معينًا فيما بين الروبوت والإنسان، حينما يجد البشري قد فقدَ عمله بسبب مديره الآلي، في حين كان التصور هو أن يكون ذلك الآلي عاملًِا ماهرًا بيد ذلك البشري.

الحقيقة التي يجب أن يدركها الإنسان بصفته المُدرك الوحيد على الأرض، إنّ العالم الذي يعيش فيه، واجتاز عبر أزمنته فصولًا تاريخية مختلفة، قاتل فيها بحجج كثيرة، وتعرّض إلى الدمار، وعرّض غيره من الموجودات الحية التي من شأنها الحفاظ على التوازن الطبيعي إلى الأذى والانقراض. شاهد الكثير من التبدلات على سطح عالمه، ابتكر أنماط حياة مختلفة، وتعلّم مواصلة الحياة في مختلف الظروف. الحقيقة التي ينبغي إدراكها أنّ العالَم الذي يتواجد فيه هو عالم هشّ جداَ، تسبب بهشاشته في الدرجة الأساس الكائن المُدرِك الأول، العابث بتوازنه، والمُغير من معادلات موجوداته. عالمنا هذا لم يأت هشّا، ويجدد نفسه بنفسه، ويبدو متماسكاً وواثقاً جداَ من ديمومته، لكنه لم يُمنح إجازة راحةٍ أبداً بعد تدخُّل الإنسان في خريطة بنائه، عبثَ بتجارب أسلحته الفتاكة في سطح الأرض وعمق البحار. خنقَ بمداخن مصانعه رئاته حتى حوّل المكان الذي يعيش ويتكاثر ويعمل فيه، إلى مكان مُتعَب ارتدت في النهاية كُلّ السلبيات على وجود الكائن الفاعل والأول فيه، وكما لو أنّ كُلّ الابتكارات التي جاء بها، وكل التطور الذي ينعم فيه مجرّد أشياء لا قيمة لها أمام أزمة هددتْ وجوده وغزتْ عالمه بخوارق غير مرئية، جعلتْ منه مخلوقًا هشًّا لا حيلة له. لقد فشلت كُلّ الطرق التي من شأنها إيقاف مدّ الوباء، فشلت فكرة التباعد الاجتماعي، وفشلت فكرة مناعة القطيع، فشل التثقيف للوقاية من الوباء. إنّ العالم الذي أراد منه الإنسان أن يكون هشًّا، كان أول من دفع ثمنه هشاشته هو الإنسان نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد