ثمة درس جديد آخر ينبغي عدم تجاهله، وستتناوله الدول على المستوى السيادي بعين الأهمية القصوى. إنّه درس موازين القوى، ففي اجتياح مباغت مثل اجتياح هذا الوباء، والذي هو إلى الآن غير محدد الملامح ونوع القوة التي من الممكن أن يضرب بها، والتكيُّفات التي من الممكن أن يتعايش فيها في كل بيئة. ليس بالمُستبعَد أن يعمَّ التبدل والتغُّير في كل شيء، بما في ذلك الجغرافية التي ألفناها، أو الحدود الدولية التي طالما كنا نعاينها على خريطة العالم.

قد تبدو بيوم ما هي مجرد جغرافية وحدود تقليدية، وتبدو خريطة العالم السياسية مجرد خريطة قديمة كان العالم فيها على طبيعة معينة. والحقيقة التي ينبغي عدم تجاهلها، أنّ كل الدول المتقدمة لم تكن مستعدة لخسارة ضحايا لفيروس مستجد وطارئ، كل الدول لم تكن فيها مؤسسات طبية مستعدة للضغط الطارئ، وكل الدول لم يكن لديها أجهزة تنفس تسعف المختنقين والممتلئة رئاتهم بالفيروس.

إذن، ماذا لو كانت الضربة أقوى بفيروس آخر أكثر فتكًا وغموضًا؟ لقد وقفت أوروبا، كل أوروبا، عاجزة عن تقديم يد المساعدة لإيطاليا حينما داهمها الوباء. بل شعرت بالخزي أمام الطائرات العسكرية الروسية وهي تحمل معدات المساعدة لذلك البلد. إذن، ما فائدة الاتحاد الأوروبي؟ وما فائدة العملة الموحدة والطموحات إزاء بناء تكتل دولي لم ينفع في تزويد أول دولة منه أصيبت بفيروس سيبدو بيوم ما مرضًا عاديًّا فيما لو اكتشف دواؤه. ما فائدة الجغرافية الهائلة إذن، وهل أجدتْ الخرائط المستجدة في حلِّ الأزمات؟ لم يعد أحد يسعف أحدًا.

وهذه أول خطوة في الاختبار العظيم. فماذا لو خرجت السيطرة عن الحدِّ من تحركات مجتمع ما، ولم تعد الأوامر تجدي نفعًا، وحلَّت قوانين المرض والجوع والخوف والإرباك محل قوانين الحياة ما قبل الوباء؟ كيف ستتعامل السلطات في أهمّ الدول وأقلها شأنًا إزاء تلك الفوضى؟ الكثير من التساؤلات ستولد من رحم مفاجآت هذا العالم. ولطالما كانت عوامل الحروب والسياسة هي المؤثرة في الجغرافية، حتى إنها كانت سببًا في اختفاء مسميات دول واستحداث أسماء أخرى محلها.

وعلى مرِّ التاريخ، تغيَّرت الحدود ورسُمت الخرائط وفق مقتضيات اتفاقيات دول كبرى على حساب دول أخرى. وكل ذلك هو محض تدخل بشري تضافرت عنده دوافع الطموح أو الأطماع أو أية أسباب أخرى يمكن تقديمها. ثمة موازين دولية في خطر، ليست كالتي غيَّرت معالم أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي تدخلت وغيَّرت من خريطة القارة وحدود دولها الكثير، صنعت ألمانيتين شرقية وغربية، وصنعت دولًا شيوعية وأخرى رأسمالية. وعلى كلٍّ، كانت الحرب مثل كارثة أحالت العالم إلى شيء آخر، نهض بعده رغم الثمن الباهظ وواصل المسير. غير أنّ تلك القارة لم تكن مستعدة إطلاقًا على مواجهة الحرب الناعمة لكورونا. وأظهرت هشاشة المستوى الطبي فيها. لقد بدتْ القارة العجوز مُتعبة بحق. ونحن الآن في قلب عاصفة الوباء، ولا ندري كم سيدفع العالم من خسائر، نجد أن المثال الملائم لاختفاء الدول وتغير معالم الخرائط يمكن بالحرب الناعمة لا الترسانات. وأنه من اليسير أن تعلن دولٌ ما خسارتها ولن يجد مجتمعها أنْ يطلب المساعدة من أجل البقاء وتحت أي ثمن، كما فعل الألمان بتقبل دخول الأمريكان والروس إلى ألمانيا أيام الحرب العالمية الثانية مقابل وقف القصف الفظيع وإنهاء الحرب. وها نحن نجد قبول ترامب المساعدة الروسية العاجلة بعد أن رأى أن مسألة الكبرياء لا محلَّ لها في ظروف الأوبئة. لقد كان القبول مجردًا من تلك الأمور لأنه بكل بساطة مسألة حياة أو موت مواطنين، وقد يبدو رفضه غباءً سياسيًّا تدخل في الشأن الإنسانيّ البحت. علمًا بأن الخلافات الروسية الأمريكية معروفة وموجودة على بقاع كثيرة في العالم. والقبول الأمريكي للمساعدة من شأنه أن يجعلنا أن نكرر السؤال ألف مرة: هل الأوبئة يمكن أن تغير الجغرافية التقليدية والحدود الصناعية والطبيعية للدول؟

لقد ازدادت الهوة كثيرًا فيما بين مستويات الدول الاقتصادية، وصار الأمر عاديًّا أن نرى حكومات فاسدة تستثمر موارد بلدانها لأغراض ليست لها صلة بشعوبها. تلك البلدان الفقيرة والمبتلاة بسلطات فاسدة هي الأكثر عرضة من غيرها للتبدلات الجيوسياسية. لأن المعرفة التي قدَّمها العالم الافتراضي في كشف الفوارق المجتمعية ما بين دول وأخرى، والمقارنات في أحوال البلدان، والتوعية غير المباشرة قد أسهمت في خلق ثورات فردية، يبدأ فيها الشخص بالتململ من واقعه المزري، ثم يتحول ذلك التململ إلى شكل المجموعة، يتفقون فيما بينهم على ما يشاهدونه من صور مخزية لبلدانهم وهم يقارنون مع من يتواصلون معهم في مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتحول ذلك التململ إلى مجتمعي من شأنه أن يشكِّل خطرًا على السلطات الفاسدة والبلدان الفقيرة. كون كِلا النوعين يندرجان في تصنيف الدول الضعيفة، والتي تكون مهددة بأي شكل من الأشكال بالتغيير السياسي فيها. وآثار الوباء كلَّما طالت مدته، ازدادت أعباء المجتمع الاقتصادية، وبالتالي فمن الممكن أن تظهر دولٌ لم تكن في الحسبان على لوائح التغيُّر في عالم ما بعد كورونا. ربما ثمة أماكن ستباع بسبب الكساد العالمي، أو ترهن دول بعض أراضيها تحت مسميات الاستثمار والتي لن تستطيع سداد ما بذمتها وتحصل تغييرات واقعية لا دخل للمال فيها بقدر ما يكون للتدخل السياسي والوجودي تأثير فيها. سيخرج العالم مُنهَكًا من أزمة الوباء، لكنه بالتأكيد سيدخل بصراع البناء من جديد، كما لو أنه كان بحرب عالمية ثالثة، الحرب التي تحدَّث الكثر عنها، دون أن يتنبأ مع من ستكون، أو أين ستحدث، وواقع الحال أن الحرب بكل أنواعها، ممكن أن يكون تعريفها هو خروج الكل مُحطَّما منها. خسائر العالم بعد الوباء ستأخذ الكثير من عافيته، فهو ضيف ثقيل عليه، وفي ذلك الوقت، ثمة تحولات متوقعة أن تحصل، في أي مكان من العالم من شأنها أن تجعل الجميع مُجبرًا على إعادة تدوين الأحوال السياسية والجغرافية بشكل مختلف وجديد، عما كان. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد