علينا أن ندرك تمامًا كجنس بشري نلتقي في التشابه الطبيعي، أنّ التهديد الذي هو من صُنعِنا قد يفضي إلى نزع فتيله مهما طال الأمد أو تعددت وجهات النظر. لكن ما هو أصعب هو تلك الأمور المخفية، التي بإمكانها إحالتنا إلى متصارعين. وأنْ نرسخ أكثر مسائل المثل في أذهان الجميع. وإلا سنكون كتلك الطيور، أو الأسماك، فرضتْ علينا الطوارئ أنْ نغيّر سلوكياتنا، وبالتالي تتهدد أشياء مهمة بالنسبة لنا، ويُقضى على طبائعٍ اكتسبناها عبر كل مراحل التاريخ، ولا يمكن إعادة بنائها أو اكتسابها بسهولة.

وإلا، فالإنسان بكل قدراته المكتسبة تلك على مر الزمن، ليس قويًّا، ولا ذكيًّا. إنه أحد الكائنات العادية الخاضعة لقدرات أكبر وأقوى وأذكى. وواردٌ جدًّا أن ينقرض مثل أي مخلوق انقرض قبله. هو كائن يتأثر أيضًا مثل ما تأثرت بقية المخلوقات بما حصل وسبّب انحسارها ثم غيابها عن الوجود وإلى الأبد. ولا يتعلق الأمر فقط بالمؤثرات الخارجية التي من شأنها أن تؤثر في وجود جنسه، إنما هنالك عوامل كثيرة تساعد على انتهائه من الوجود. إنه الآن يواجه الوباء بكل قدراته، ولم يجد بعد أن رأى أنّ العدو الخفي لا يمكن التوصل إلى حلٍّ تام يقضي عليه، ابتعدَ وحجر نفسه داخل المنزل. إذن، كيف كان الفيروس أكثر تطورًا، ولا تجدي معه أساليب الوقاية التقليدية. الإنسان كائن عادي. علينا أن لا ننسى ذلك. وضعيف مهما توصل إلى اختراعات مذهلة وصناعات مهيبة. لأن ما يحيط به ليس بمعلوم إلى حدٍّ كبير. وإنّ كل الاكتشافات تلك لم تكن قادرة على إيقاف الآلاف من الذين يقضي عليهم كورونا. كل يوم نتابع إحصاءات التزايد في الإصابات بالمرض حول العالم، وكل يوم نقرأ دراسة جديدة عن أسباب الفيروس، وكل يوم نذهل من الأخبار الغريبة لمسبباته. والنتيجة هي أنّ لا أحد يمكنه إيقاف نهر الموت الذي يجري بسرعة. لقد وضعنا كورونا أمام فرضيات كثيرة، منها مستقبل وجود الجنس البشري على الأرض. ونعتقد أن كل الحضارة التي توارثَها، والتي ينعم في تراكماتها اليوم لن تجدي نفعًا لو أنّه فقدَ لوازم وجوده ويكون هو سببًا آخر على فناء نفسه بعد العوامل الخارجية المحسوبة وغير المحسوبة.

قبل فترة قصيرة، أقدم صيادون حمقى على قتل زرافة بيضاء اللون مع صغيرها في إحدى المحميات في أفريقيا. ويُعتقد أنها آخر زرافة من هذا النوع في العالم. لم يشعر غير المختصين والمهتمين بفداحة الخسارة التي فعلها أولئك الصيادون. إذ لم يعد هنالك كائن حي موجود من الآن. اختفى نوع حيواني من على وجه الأرض. القصد الذي نريد تبيانه أن الحضارة قد يدمرها صانعها بالإضافة إلى الأسباب الخارجية. الأسباب الخارجية تلك التي تبرهن له على أنه ليس قويًّا، وليس بإمكانه مهما تقدم في حضارته، سيبدو كائنًا عاديًّا غير مستعد لأي طارئ. أما تلك التي يتدخل هو فيها، فهي تتصل بتلاعبه بالنظام الطبيعي أو الوضعي، وأحد فروض ظهور كورونا، سواء كانت صائبة أم لا ما لم يتم إثباتها عمليًّا، تقول إن الوباء جاء بسبب اطلاق خدمة الاتصالات المعروفة بـ(5G)، حيث قال أحد العلماء في شرح مصور أن كهربة الجو بموجات جديدة من الذبذبات كان انعكاسه حصول تسمم في جسم الإنسان أنتج بدوره الفيروس. وتسبب ذلك الرأي في الهجوم من قبل المؤمنين به على أبراج ذلك النوع من الاتصالات في بريطانيا. كما وهنالك الكثير من الآراء التي ترجح أن العامل الرئيسي للوباء هو تدخل بشري محض بتجارب سرية. إنّ العلم شيء رائع. وعطانا الكثير الذي كان في فترة ما مجرد خيال لا يمكن تصديقه. وغيّر من حياتنا إلى ما هو أفضل. واختصر في الوقت الكثير مثل حلِّ المعادلات المعقدة، واستخلاص النتائج، والحفاظ على البيانات. لكنه في فترة إرباك عالمية جعل الكثير ممن يريدون تصديق أي سبب خلق الوباء في أنْ يعبِّروا عن ردود فعل غاضبة، فأحرقوا على سبيل المثال أبراج اتصالات اتُّهمتْ بأنها سبب الفيروس كما اتهم من قبل الخفاش وآكل النمل الحرشفي. بالرغم من أنّ العلم هو الوحيد الآن من يريد استنتاج ما يطمئن الناس، وبه يقاتل المخبريون من أجل التوصل على لقاح للمرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد