كان العالم قياسًا لما قبل الوباء منشغلًا بأمور تبدو لديه مهمة، ومصيرية وتخصّ وجوده حسب المقاسات الطبيعية: الولايات المتحدة تمارس دور الشرطي العالمي الذي يحاول فرض سيطرة قانونه على الجميع. وكان ولع رئيسها هو الاقتصاد؛ لأنه مؤمن كرجل أعمال أن القوة الحقيقية تكمن في قوانين التجارة والضرائب وفرص العمل والنفط وما شابه ذلك. كان يدير علاقته مع دول عالم المتبقية وفق تلك المقاسات، مع الصين، وروسيا، وإيران، والكثير من الدول كما لو أن الاقتصاد لعبة يجيد الفوز بها. كل مكان كان منشغلًا بشيء ما: بالحرب، بالإرهاب، بتجارة المخدرات، بالمؤتمرات السياسية والعلمية والثقافية. البشر العاديون يواصلون حيواتهم ووظائفهم على نحوٍ ما، منشغلون هم أيضًا بأمورهم الشخصية، يواكبون كل المتغيرات التي تحصل من حولهم، يشاهدون أخبار الحروب التكنولوجيا واكتشافات الطب، وأخبار الفضاء والأسلحة المتطورة واللاجئين وأفلام السينما والرياضة. إنهم ببساطة موجودون بكل أحوالهم الجيدة وغير الجيدة. لكنهم يثقون تمامًا بقوة العالم التي تقي وجودهم كبشر، الكثير منهم لا يحبّ أمريكا لأنها السبب باعتقادهم في تردي أحوالهم بسبب سياستها العالمية المتحدثة باسم القوة. إلا أن أولئك يثقون تمامًا بأن التقدم الحاصل يقي وجودهم كبشر. لأن تلك الدولة المتقدمة والتي تسيطر على دول أخرى، هي من تقوم بالبحوث عن أحوال التغيرات المناخية وتعمل على وضع الحلول لها، تلك الدول المتطورة تدرس ذوبان الثلوج، وتتنبأ بالزلازل، وحرائق الغابات والأمراض وكل ما يهدد الأرض. العالم الذي من حولنا، هو عالم شأنه شأن اي مخلوق صغير، قابل لئن يتغير، ويتأثر بكل الظاهر المألوفة والغريبة، القريبة التي يمكن للإنسان إدراكها بطرقه البسيطة أو المتقدمة. والبعيدة التي نفترض وجودها حسب نظريات العلماء.

كان العالم قبل وباء كورنا مختلفًا جدًا، وبرغم الطبقية في كل شيء ما بين بني البشر الساكنين فيه، لكن الامور كانت تمضي قُدمًا دون أن تتوقف. تندلع حروب ثم تنتهي. تحدث مآزق هنا وهناك، لكنها تمضي، تتغير حدود دول، تتمزق دولة، تتحد دولتان، تختفي معالم حضارية. لكن البشرية بقيت محافظة على وجودها الطبيعي في مواصلة التكاثر والانتشار رغم المآسي التي صنعتها هي بنفسها بسبب المعتقدات السياسية، والاقتصادية، وحتى الاجتماعية والنفسية. نكسةٌ واحدة، جعلت الجميع في مستوى واحد من التفكير كما لو أن هذا العدو الخفي، غير المرئي، الصغير جدًا والمستجد هو من سينتصر على الوجود البشري. وأعاد بشكل بسيط ومُلفت إلى بديهيات التفكير البشري الأولى في تعلّم غسل اليدين، والنظافة العامة كما لو أننا ليس في عصر التقنية الخيالية والاكتشافات المستقبلية المذهلة والخارقة للعادة. كما لو أننا نعيش العهود الأولى، ربما ما قبل 200 عام. حيث لا توجد سيارات ولا طائرات ولا مصانع رقمية سريعة. ومكتفين فقط بغسل اليدين المتسختين بفعل العمل البدائي في الصناعة والزراعة وغير ذلك من حِرف يدوية. هكذا يبدو العالم اليوم، في أزمة وباء نعيش لحظاته. نترقب أي خبرٍ سارّ بالقضاء عليه بعد أن صار يسافر بلا جواز سفر، أو سمة دخول إلى كل بلد يعجبه، يتوغل بخفاء في أي جسد ل_14 يومًا، ثم يعلن ساعة الصفر على فريسته ويحيلها إلى مصدر تفشٍّ وانتشارٍ إلى آخرين ليخلق الذعر والإرهاب في أية دولة، قوية أو ضعيفة، مسالمة أو جامحة. لقد أحالَ الكل ونحن نشاهد انتقاله إلى هدف يسير. كما لو أنه يريد الإثبات لنا بأننا نعيش ما قبل قرنين من الزمن، وأننا بدائيون وعلينا الاعتماد على الصابون. وأن نتباعد مثل المزارعين المنشغلين كل بأرضه بعد أن صار التقارب والتواصل الاجتماعي حدّ الجنون. لم تنفع وسائل التواصل، بل هي حقًا افتراض لا فائدة واقعية منها سوى أنها صورة للتقدم العصري الحاصل، والذي وقف عاجزًا أمام العدو الصغير الخفي. تلك الوسائل الافتراضية التي لم تُبال في البداية إلى ذلك الوباء إلا بنقل خبر هنا وهناك من مدينة ووهان الصينية، وصار يتكاثر الخبر كلما تكاثر الوباء في تلك المدينة، وصارت الأخبار تتناقل صور الموت، والأزمة الكبيرة التي تمر بها تلك البلاد، دون أن يعرف أحدٌ سبب أو مصدر الفيروس، أو سبيلًا لعلاجه. بعدها انتقل إلى العالم عبر المسافرين مثل نار تستعر في غاباتٍ متيبسة. فانشغل الجميع عن اتهام الخفاش الذي قيل إنه كان الناقل لفيروس كورونا، إلى إيجاد الحل لمواجهة الضغط الهائل على المؤسسات الطبية، وهي تستقبل الإصابات الكثيرة. ولم يعد أي أحدٍ يكترث بمن جاء بذلك الفيروس، سواء كان الخفاش، أو آكل النمل الحرشفي، أو أي حيوان يتناوله المجتمع الصيني. كون الجميع ينظر إلى دول العالم المتقدم في اكتشاف العلاج، وإيقاف الموت والرعب.

الآن ونحن نكتب البداية لهذا الكتاب، نشاهد الأخبار من منازلنا التي اُلزم على الجميع المكوث فيها خشية انتقال العدوى، وانتشرت القوات الأمنية في الشوارع بحثًا عمن يكسر الحظر. لقد بات الجميع مٌهدّدَا، والتعامل مع البعض وفق مبدأ (أحدنا مُصاب)، أي افتراض أنّ أي شخص ربما يكون مصابًا، وبالتالي سيكون سببًا لنقل المرض إلى غيره السليم. نكتب ونستمع ونرى العالم يسابق الزمن في اكتشاف أي علاج. وقد لجأتْ عدة دول إلى أدوية بديلة لم تتمكن من إنهاء الوباء، الوباء الذي أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية على أنه جائحة بعد أن تخطى عدد المصابين عبر العالم ال_100 ألف، وهو ما زال يتسارع وينتشر مثل سلاح سري متقدم على كل الأسلحة، أطلقه أحد ما على الجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد