بينما العالم في غيبوبته الرتيبة. ومتاهته اللا متناهية، وتناقضاته المحرجة وزلاته المتكررة. أمم تحقق الفائض في جميع المستويات. وأمم تتصدر المراتب الأولى في مختلف الميادين. أمم لا يزال أقصى طموحها لقمة خبز وعيش كريم. وأمم دينها وديدنها العلم، وأمم يحركها القانون والمجتمع.

كل دولة تقفز من أزمة لأخرى بشكل روتيني مدروس ومتوقع، إلا أن العالم وفي مستهل سنة 2020، سيشهد أحداثًا، ليس للتاريخ إلا أن يحفظها في فيه، فقد كان من المتوقع أن تكون هذه السنة الجديدة بداية جديدة للعالم في القفز إلى عالم ما بعد الحداثة والتكنولوجيا، والقضاء على الفقر والجهل، ليصير أقصى طموح المرء الآن هو البقاء حيًا في بيته.

ففي الشهر الأول تم الإعلان عن تفشي «فيروس خطير» في الصين ينتمي إلى عائلة – الكورونا – ويشتهر باسم كوفيد 19. الذي تكمن خطورته في سرعة انتشاره وفي هجومه على الجهاز التنفسي للإنسان.

أصبح العالم الحقيقي الآن شبيهًا بالخيال أو ببعض الأفلام، حيث يتفشى الفيروس فلا ينجو إلا القليل من الذين يصارعون من أجل البقاء أحياء ـ I Am Legend ـ أو تحول هؤلاء المصابين إلى أشباح وموتى يحاصروننا حتى بات الفيروس يلاحقنا كوحش لا مرئي. وما أشبه الحقيقة بالخيال اليوم.

دقات القلب تخفق في هلع مع دقات الدقائق والتواني، الكل يتساءل من التالي؟ وحالات الإصابة في تصاعد أكبر ومعها عدد الوفيات يكبر. الكل أمسى ينتظر دوره، ليختبر ذاته في قانون الحياة، فهل حقًا البقاء للأقوى أم للأدهى الذي ينعزل؟

وأخيرًا وجد الإعلام وجبة دسمة طال صيامه لها، فرأينا تضخيمًا لم نشهده مند سنين. وبالفعل نجح إعلام مواقع التواصل وغيره في جعلنا نرتعب من الموت المحتوم أصلًا، سواء بالفيروس أو بغيره.

بل عجبت وترى الشعوب المتخلفة (سواء المتقدمة اقتصاديًا أو المتأخرة) في هرج ومرج واستهتار ومزاح وتجمعات وقهقهات على هذا الفيروس اللا مرئي تحقيرًا لضآلته، في جهالة تامة بخطورة ما هم مقترفوه.

وللأسف، هذه الجهالة قتلت الآلاف في الصين وأوروبا، والآن نحن في المغرب ندفع ثمن حماقة بعض المواطنين الجهلة، وتماطل الدولة في عدم حظر التجوال باكرا، وانتظارها لوصول الحالات المصابة إلى رقم معين يندر عن الخطر، مع علمها مسبقا، أنها ستفشل فشلا ذريعًا، لم تشهده أية دولة في العالم، إذا ما تجاوزنا الرقم مئة في عدد الإصابات. وهذا لا يجعلنا ننكر يقظتها منذ البداية. لكن الأمر محرج.

نحن نؤمن بالله جل جلاله وبقضائه وقدره خيره وشره، وأن الله يمكن أن يبتلي الأمم بمختلف المصائب. رغم الجدل المثار حول أن هذا الفيروس صناعة مختبرات! لتعود تساؤلات المراهقة الفكرية حول وجود الشر والأمراض في العالم، ومحل رحمة السماء في هذا الأمر. وتهافت أقزام الفكر البشري لإثبات نظرية التطور بهذا الفيروس الذي طور نفسه، متجاهلين حقيقة نظرية داروين التي تقصد تطور النوع إلى نوع آخر.

في حين لم يجد البعض هما أكبر من أن المساجد قد أغلقت والعمرة كذلك، والاعتقاد من جديد في نظرية المؤامرة، حيث ابتكر أعداء الدين هذا الفيروس -الذي قتل الآلاف للآن- من أجل إغلاق المساجد!

هذا ونحن نرى بأم أعيننا أن المدارس والجامعات وكل بيوت العلم والمعرفة، بل وكل أماكن التجمعات قد أغلقت قبل مساجدنا، ولم نسمع قائلًا بأنها مؤامرة ضدالتعليم.

وإنه لمشهد حزين جدًا أن تسمع صوت الآذان فتقوم كالمعتاد ملبيًا، لتتذكر في لحظة أنها مغلقة! إنها الغربة الحقيقة. ولو عدنا للتاريخ لوجدنا أن في عصر عمر جوابًا لنا! وفي أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يغنينا عن هذا اللغط الذي لم تعد النفسيات في هذه الظرفية قادرة على تحمله. أما الناس فرغم إيمانهم العميق بالأجل، إلا أنهم في الأخير بشر يضعفون، نحن نتأثر ونرق ونحتكم للعاطفة أيضًا.

أقسى شعور في الحياة هو أن ترى الخوف في أعين فلذات أكبادك أو والديك أو من تحب، ونفوسهم المكلومة تتساءل: ماذا بعد؟ متى دورنا؟

غير أننا ممتنون لهذا الفيروس أشد الامتنان، فقد أظهر الناس على حقيقتهم. فقد رأينا الشباب المغربي الذين كانوا يصرخون فيما قبل أنه «وطن ظلم وغم لا يستحق العيش فيه» يهتفون الآن في الشوارع في أبواقهم الصاخبة «أيها الناس الوطن في حرب، ونحن الوطن، يدا في يد للقضاء على هذا العدو الخفي».

وظهر الحب الحقيقي الذي لا ينكشف إلا في الأوقات العصيبة، فرأينا مختلف الفئات من المجتمع تتطوع للمساعدة، بداية من الشباب الذي خرج لتعقيم الشوارع وتثقيف الناس حول هذا الوباء، مرورًا بالإعلام الذي واكب المرض بتحري واهتمام بليغ.

ورأينا الإعلاميين يقررون تقاسم مداخلهم مع بعض الأسر المعوزة، كما شاهدنا الشركات المغربية تتسابق للمساهمة بالمال أو بالخدمات للقضاء على هذا الفيروس. ناهيك عن القانون المغربي وصرامته ومرونته، وعمومًا فإن لهذا الفيروس إيجابيات عديدة أبرزها ما ذكرنا.

والأهم من هذا كله، أن العالم وقف وقفة خضوع وإجلال للأطباء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل تطبيب الناس. معلنين اعترافنا لأهميتهم وقيمتهم في حياتنا، في حين غاب إعلام التفاهة وتسويق الأجسام العارية واختفت الشكلانية المجتمعية الزائفة، ليطفو على سطح شاشات التواصل الاجتماعي أنضج الشباب من الأطباء والباحثين وأصحاب الهمم العالية وكل من غَرَسَ الله سبحانه وتعالى شعور الواجب في نفسه.

فهي لفتة عظيمة من العالم لدور العلم في الحياة. فأين أمريكا والصين وأوروبا وغيرهم؟ وأين ما كانوا يتباهون به؟ هل نفعهم إلا علمهم؟ وأين العرب الآن؟ هل نفعتهم إلا قيمهم؟

العلم يا إخوتي عمود متين من أعمدة الحياة، استخلفنا الله في هذه الدنيا، فتوجب أن نعرفها جيدًا، ولا سبيل غير العلم. ويمكننا أن نصير أفضل الشعوب على الإطلاق إذا أضفنا ليقيننا في الله وتآزرنا مع بعض السراء والضراء سلطة العلم وقوته. نحن نحمل جوهرة الإيمان لنصل بها لبر الأمان، لكننا في حاجة إلى مصباح ينير لنا عتمة الطريق، وهو العلم.

وأمام هذا الوضع فهناك أنباء عن تجريب لقاح في أوروبا ننتظر نجاحه، واكتشاف الصين هي الأخرى للقاح مخلص. لتليهم أمريكا كذلك.

لنفتح ملفًا آخر، حول ما مدى إمكانية كون الفيروس صـنـاعة؟ وماذا عن إنفلونزا الطيور الذي ظهر أيضًا من حيث لا ندري؟ هل سيحصد هو الآخر أرواح البشرية كما يدعون؟ هل نحن في حروب جديدة بين الدول سلاحها ما تنتجه المختبرات الطبية؟ أم أننا أم حرب كذب وتهويل؟

هل هي نهاية العالم أم مجرد زوبعة إعلامية ستنطفئ عما قريب؟

ثم ماذا بعد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد