أراك يا وطني بعين الحاضر والمستقبل

إن الحديث في السياسة ليس بالأمر السهل أو بالمسألة الهينة، لكن في ظل هذه الأزمة التي نعيشها اليوم، وفي ظل اختفاء نسبي للأحزاب السياسية، أردنا أن ننشد ونعيد النبض في الجماهير الشعبية القابعة في منازلها الهزيلة الهشة، في المدن العارية وشبه العارية والبوادي.

يبدو أن الأحزاب السياسية عامة اختفت عن الأنظار، كأنه لم يعد لها وجود على هذه الأرض المغربية إطلاقًا، لكن نتساءل، ونحن قابعون في أحشاء أنفسنا بمنازلنا دون الخروج إلى أي غرض مهما يكن، محكومين بإرادتنا الخاصة، هناك أسرة بلا عائل، هناك طالب علم جائع، هناك متشردون بائسون لا مأوى لهم، هناك رجل مسن يقتات من القمامة، هناك عجوز تائهة، هناك لص تتلاعب به نيران الحرمان، واللائحة طويلة جدًّا: أين ذاك الجيش العرمرم من الأحزاب السياسية ونحن نختنق وسط غوغاء الأزمة؟ أين فر أصحاب الحمالات الانتخابيات الهائلة؟ أين أصحاب المقاولات والمشروعات المزورة والزائفة؟ أين أصحاب الصناديق الانتخابات «المبيوعة»؟

لقد جاء «كورونا الشخص السياسي» وأخضع السياسة للرقابة وللتفكيك، وأجهض معه أحزابنا السياسية الفارة من سكرات الأزمة، وكأن أقصى ما يتمناه «كورونا الشخص السياسي» إحياء عقول الأحرار الإنسانين وعودة الروابط الاجتماعية بقوة، وتجدر الإشارة إلى القول بأن الأحزاب الانتهازية ما هي إلا ديكتاتورية عصرية مدمرة في غلاف ديمقراطي، وعندما نقول الحزب أو الأحزاب فلا نقصد فردًا واحدًا بقدر ما نشير إلى جماعة أو أقلية ذات مصالح موحدة وإيديولوجية واحدة، إن لم نقل ذات عقيدة واحدة، ولأنه كذلك فإن على المجتمع ككل بطبقاته السميكة، تنفيذ سلطة «كورونا الشخص السياسي» على الأحزاب السياسية؛ أي أن يشد الشعب/المجتمع بمعول الوعي والتوعية والإبصار حقيقة الأحزاب الفارغة ذات الرؤية الواحدة.

وعلى العموم؛ مهما تعددت الأحزاب السياسية في وطننا، سيبقى عيبها الوحيد القاسم المشترك؛ أي تحطيم كل إنجازات العلماء والأساتذة والأطباء والأحرار الإنسانيين الذين يخدمون الشعب بصفة عامة، وقد سبق وأن رأينا حزبا سياسيا خرب مخطط الصحة ودشن عصر التعاقد، ونهش أجرة الموظفين، ناهيك عن ضعف وهشاشة وهزال الدخل الفردي.

على الأحزاب السياسية بلا استثناء بعد أزمة «كورونا الشخص السياسي» أن تدرك جيدًا مدى تهميشها قطاع الصحة والتعليم والقطاعات الأخرى التي تهم الشعب في تعدده واختلافه وتنوعه، وتحرك عجلة التطور بالنسبة لكيان الدولة.

أيها الأحزاب السياسية لقد كشفت لنا أزمة «الشخص السياسي(كورونا)» حجم المكر والخداع الذي تمارسونه في صراعكم المغشوش بعضكم ضد بعض، كما سفهت بعض أعضائكم وممثليكم ورؤساء أحزابكم (..)، وبالتالي فنحن العاملين في قطاع الصحة والتعليم ضحية أكذوبة صراع الأحزاب، مهمشون حتى النخاع بما تحمله الألفاظ من تعابير وقصديات. والنتيجة كون أحزابنا السياسية في ظل ما نراه اليوم، ليست مجلس شعب بقدر ما تكون جماعة تظهر بمظهر ديمقراطي نزيه وليست بذلك، فهي أحزاب ديمقراطية تقليدية لا غير عنوانها كل شيء افتراضي،

هكذا نود أن نشكر «كورونا الشخص السياسي» الذي عرى مخططات الأحزاب السياسية الفاشلة، وأبان على أن معظم أحزابنا السياسية تنهش عروقنا من كل النواحي، وتضيق علينا في كسب قوت يومنا، تقتل فينا روح الوطنية، قطعًا؛ «كورونا المرض» إنه يجر معه يد الملايين الأبرياء إلى الموت في المغرب، في مختلف بلدان العالم الثالث، بل في كل بقاع العالم، كما تفعل أحزابنا السياسية وقت الانتخابات ووقت الشدة، ومما يؤكد لنا ذلك، أولا: اختفاؤهم بشكل نسبي في المحنة التي نعيشها اليوم.

 ثانيًا: فوزهم في الانتخابات يعني بشكل كلي انهزامنا كشعب أراد أن يغير مصيره إلى أفضل، إن هذا الخطاب موجه بالضبط وبلا مراوغات ولا مناورات، موجه إلى كل الأصوات التي يجري شراؤها أو ارتشاؤها وقت الانتخابات، لذلك عليها أن تتذكر جيدًا هذه اللحظة التاريخية الوبائية الرهيبة والمفزعة حقًّا وتحفظها عن ظهر قلب. نحن هنا بالحجر الصحي نتقاسم الرغيف مع ذواتنا للبقاء وأنتم بلا شك ترقصون خوفًا بڤيلاتكم، وبعدها يكون خطابكم صريحًا ولكن لن يكون مقنعًا لنا هذه المرة، ونحن طبعا بعدها سنكون رقيبًا وبطلانًا لما سمعنا، لأن العين أبصر من السمع، والفعل أصدق من القول، «كورونا» عصر سينهي التدجيل والتزييف، ونحن هنا في حجرنا الصحي ننتظر من حزب الحب أن يكون جزءًا منا وأن يحكم نيابة عنا، لا نيابة عنهم.

مجمل القول إن «كورونا الشخص السياسي» أبان مدى فشل أحزابنا السياسية، لا مستشفى جاهز ولا مقبرة مجانية، وكل الاستفتاءات باءت بالفشل الرهيب والغريب، لكن لا ننكر أيضًا أن بعض الأحزاب السياسية ساهمت في تطور مجتمعنا، لكنها للأسف الشديد نهشت الكثير والكثير، نريد أن نعيش وهذا يكفي، لكن نادرًا ما نجد رجلًا رشيدًا، يدق أبواب الكادحين المسحوقين المحتاجين، و«كورونا الشخص السياسي» لا يستثني منا أحدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أحزاب, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد