فجأة استيقظ العالم بدوي انفجار لغم فيروس كوورنا، ووجد نفسه أمام كارثة صحية تنذر بإبادة الكثير من البشر. هب الجيش الأبيض بكل ما أوتي من عتاد ليصد العدوان، لكنه فوجئ أن عتاده لا يكفي لمواجهة الفيروس المتخفي والمنتشر بسرعة. استشهد الكثير من العاملين في الحقل الصحي وأفاق الناس على حقيقة الإهمال الذي يعاني منه القطاع الصحي بكوادره البشرية وبنيته التحتية. تُتحفنا مواقع التواصل بمشاهد الاحتفاء بالأطباء والممرضين من تصفيق وغناء و دعاء.

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. ثمة قصة رمزية تذكر أن أحد التجار تزوج أربعة كان يحب أصغرهن وكانت آخرهن وأجملهن، وعندما حضرته الوفاة طلب من كل واحدة منهن أن ترافقه الى القبر مذكرًا إياها ما كان بينهما من عشرة وما أغدق عليها من ماله. رفضن الجميع الا الأولى التي أهملها وهجرها، يفسر المربون أن الوفية التي أهملها التاجر يُقصد بها العمل الصالح والباقيات هن التجارة والجسد والأصدقاء المنتفعون، ونحن هنا نفسر أن المهمَلون الأوفياء هم العلماء بمختلف تخصصاتهم الذين نلجأ إليهم عند المصائب ومدلهمات الامور فلا نجد عندهم إلا التضحية والتفاني في خدمة البشر. نشر موقع كارير أديكت أن أكثر راتب يتقاضاه طبيب هو 350 ألف دولار في السنة وهو مبلغ ضخم، لكنه يتضاءل حين تقارنه بلاعب كرة يتقاضى 8 ملايين دولار شهريًا مع ما يلاقيه من حفاوة وتبجيل لدى المجتمع.

في مقال له في الجارديان البريطانية يحكي دانيال زيشنر المرشح البرلماني وعضو منتدى السياسة الوطنية لحزب العمال عن حالة عالم رائد في مجال علاج السرطان يعمل على أبحاث واعدة. يقول إن راتبه القليل الذي لا يتجاوز 28 ألف جنيه إسترليني سنويًا لا يكاد يكفيه هو وزوجته وطفلهما للعيش في مدينة مثل كامبريدج. ونحن هنا نتحدث عن علاج السرطان، وليس لعب كرة القدم.

في أحيان كثيرة يُعزى الاهتمام بالفنانين والرياضيين الى أسباب اقتصادية آنية، فحيث يمكن للفنان والرياضي ان يجعل الكثير من مختلف الطبقات والتخصصات والاهتمامات يدفعون بسخاء للاستمتاع بما يقدمه لهم من مهاراته يقتصر الباحث على عدد الأشخاص أو الجهات الذين يهتمون بمجال عمله. ذلك ما صنعه الإعلام الذي مجد الجسد والمظهر وأهمل العقل والعلم. هو الإعلام الذي رفع المادة والشهرة على حساب القيم. كشفت دراسة أجريت في أمريكا ونشرت في مجلة Cyberpsychology عن أبرز القيم الموجودة في برامج الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عامًا. تقول الدراسة أنه في عام 1997 كانت الأولوية لمفاهيم التفاعل مع المجتمع ثم العطاء للآخرين، في حين جاءت الشهرة في المركز الخامس عشر من أصل 16 مفهومًا. بعد ذلك بعشر سنوات في 2007، وبعد عرض مسلسلات مثل «Hannah Montana»، انقلبت الصورة وصارت الشهرة تحتل المركز الأول، يليها الإنجاز، فالمظهر، ثم الشعبية والنجاح المادي. أما مفهوم التفاعل مع المجتمع فقد تقهقر إلى المركز الحادي عشر، وبعده العطاء للآخرين.

يحكي لنا التاريخ عن علماء ومبدعين ومخترعين لم يحظوا حتى بالثناء والعرفان إلا بعد مماتهم، منهم الراهب النمساوي جريجور مندل الذي يُعرف بمؤسس علم الوراثة. عمل مندل على عدة تجارب غيّرت من المفاهيم السائدة للوراثة وما زالت بعض نظرياته تدرس في الجامعات وهي تحمل اسمه. وفي مثال قدمه موقع بى بى سى لعشرة اختراعات لم يجن منها أصحابها الأموال ذكر دوغ أنغيلبارت الذي فارق الحياة عن 88 عامًا ولم يجن أيه أموال باختراعه فأرة الحاسوب.

يعرف المجتمع عن نجوم السينما والفن أكثر مما يعرف عن المخترعين والباحثين، وفي لحظة صحوة أو قل صدمة كهذه يتساءل أحدهم: أيهم أكثر نفعًا للمجتمع؟ أيهم أولى بالاحتفاء والاحتفال به؟. كيف صار نجوم الرياضة ملء السمع والبصر ونجوم العلم مجاهيل لا يكاد يذكرهم إلا تلامذتهم؟ تساؤلات يثيرها كورونا ربما ليذكرنا أنه آن الأوان لإعادة البريق للعلماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد