كرونا وسلاح الرقمنة في الصين

يعرف العالم تحولات اقتصادية كبيرة، فالعولمة والثورة التكنولوجية ساعدة على انفتاح الأسواق وزاد في تدفق المعلومات بسرعة بين الفاعلين الاقتصاديين وقلص بين المسافات؛ مما أدى إلى رقمنة الحياة العامة، والمرافق العمومية؛ الأمر الذي ساهم في نشأة الاقتصاد الرقمي والمعرفة الرقمية، وحتى الأمن الرقمي.

ويمكن القول إن الرقمنة هي عملية تحويل البيانات والمعلومات من الطرق التقليدية إلى الطرق الإلكترونية يستعمل فيها الحاسوب ووسائل التكنولوجيا الحديثة، فقد عملت على تغيير الطريقة التي يعيش فيها العالم من معظم جوانبها الاقتصادية والاجتماعية، وستغير الرقمنة حياة البشر جذريًا، بانتشار التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطباعة ثلاثية الأبعاد وشبكة الجيل الخامس المتنقلة، التي ستنقل البيانات الضخمة وتعالجها بسرعة أكبر، وستربط عددًا هائلًا من الأشياء الذكية والأشخاص والحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتعتبر الصين من الدول الرائدة في استخدام التكنولوجيا الحديثة في كل مجالات الإدارة الحكومية، بمختلف مهامها، وعملت على تحسين الخدمة العمومية وتقريبها للمواطن بجودة عالية.

فقد كشف تقرير أعده صندوق النقد الدولي عن التبني المتزايد للتكنولوجيا الرقمية في الصين سيعزز الإنتاجية ويعيد تشكيل الاقتصاد، فقد عززت تشانغ هذا النجاح إلى مجموعة من العوامل من بينها وجود قاعدة كبيرة تضم 700 مليون مستخدم للإنترنت و282 مليون مواطن رقمي.

وما زاد في ثقة النظام الرقمي الصيني هي تلك الاستجابة والقدرة الكبيرة أثناء التصدي لجائحة كورونا فيروس والوقاية منها منذ بدايته في ديسمبر (كانون الأول) 2019، فالسؤال المطروح هنا كيف ساهمت الرقمنة في الوقاية والقضاء على جائحة (covid-19) في الصين؟ وما هي وسائل التكنولوجيا الحديثة التي أستخدمتها  لمحاربة فيروس كورونا المستجد؟

في وقت بلغ فيه عدد المصابين أكثر من 92 ألف و160 حالة، استعمل الصين الروبوتات لمساعدة الطاقم الطبي على مكافحة تفشي الفيروس، كما أجبر العديد من الناس على استخدام التكنولوجيا الجديدة للحصول على معلومات حول كيفية مكافحة الفيروس، والقيام بالضروريات اليومية مثل التسوق والعمل.

لقد استطاعت الصين تجنيد كل الوسائل والتكنولوجيا الحديثة ليس في مجال الوقاية من الأمراض فقط، بل في التشخيص والعلاج لضمان استمرار الحياة الطبيعية من خلال تمكين خدمات التعليم عبر الإنترنت، والرعاية الصحية، والتسوق، وتقديم خدمات عمومية عن بعد لتقليص تفشي الفيروس، ومن أهم التطبيقات ووسائل التكنولوجيا الحديثة التي استعملتها الصين في حربها ضد جائحة (covid-19).

1- تطبيق كورونا: قدم مجلس الدولة الصيني دعمه لإطلاق تطبيق يتعلق بفيروس كورونا، تكمن مهمته في إعلام مستخدميه ما إذا كانوا على مقربة من أي شخص يرجح أنه مصاب بالفيروس، ويعتمد هذا التطبيق على سجلات النقل العام، بما في ذلك القطارات والرحلات حيث يتطلب حجز مقعد من العملاء، إدخال رقم هويته الوطنية.

2- الذكاء الاصطناعي: تستخدم تقنيات التعرف على الوجه التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في جميع أنحاء الصين، وتعمل هذه التطبيقات التي تتراوح مهمتها بين اكتشاف المجرمين ومعرفة من عليه ديون وضرائب.

وتعمل شركة Baidu sensetime على تكييف خوارزمياتها لتحديد الأشخاص الذين لا يرتدون كمامات في محاولة مساعدة الشرطة في توجيههم لارتدائها، ناهيك عن نظام الإشعار في المترو، يصرح بوجود شخص لا يرتدي كمامة.

3- التكنولوجيا الطبية: تقدم شركة Yitu Technology الصينية الناشئة، في مجال الذكاء الاصطناعي خدمات للمساعدة في تحليل عمليات التصوير المقطعي المحوسب (CAT)، والتي تستخدمها المستشفيات لتشخيص المرضى المشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا، وعادة يستغرق الطبيب من خمس إلى 15 دقيقة لتحليل مسح (cat) للمريض المشتبه، والذي يشمل أكثر من 300 صورة للتوصل إلى التشخيص السريري، في حين أن هذه الشركة تقول إن خوارزميتها الجديدة يمكنها إكمال التعرف في غضون 20 ثانية فقط، وبالتالي تخفيف الضغط على المستشفيات.

4- رقمنة المستشفيات: لا يزال نظام الصحة العامة في الصين في مرحلة مبكرة من الرقمنة، فقد ساعد هذا الوباء في تسريع عملية الرقمنة لأغلب المستشفيات الصينية، بل أعطى دفعة قوية للعديد من التقنيات والخدمات الجديدة التي بدأ الناس في استخدامها أكثر، مثل الاستشارات الطبية عن بعد، التي فاقت حوالي 1.11 مليار زيارة خلال فترة تفشي المرض مع ارتفاع المستخدمين المسجلين حديثًا 10 مرات، حسب تصريح الدكتور بينغ إن أحد مقدمي الرعاية الصحية عبر الإنترنت.

5- استخدام الروبوتات: عملت شركات الروبوتات العامة في مجال تقديم الطعام مثل «كينون روبوتيكس» التي تستخدم من شنغهاي مقرها في نشر تكنولوجياتها في المطاعم لسد فجوة نقص العمالة، لكنها وسعت نطاق الخدمة لتشمل المستشفيات وسط الأزمة الصحية التي ضربت البلاد.

بالرغم من أنى لم أذكر كل الوسائل والطرق الحديثة التي استعملتها الإدارة الصينية في مكافحة جائحة كورونا فيروس في وقت قصير وبخسائر محدودة مقارنة بالدول الأخرى التي يعتبر نظامها الصحي أكثر تطورًا مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا، وإسبانيا، والتي أصبحت تتقدم سلم ترتيب الدول المصابة في نسبة الوفايات، فالنمودج الصيني لم ينجح فقط بفضل سياسة الصرامة وطبيعة الحكم التي يروج لها بعض المحللين، بل بفضل وعي المواطن الصيني واستغلال وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة في احتواء انتشار الوباء، وسبل الوقاية منه والتقدم نحو العلاج، والمطلوب من الدول النامية، تطوير نظامها المعلوماتي والرقمي من أجل مواكبة الأنظمة العالمية في مواجهة أي خطر وبائي مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد