هل هو فشل لنظريات التكامل الدولي؟

عادة ما يتم الحكم على نظرية ما بأنها حققت نجاح وإخفاق؛ بقياس مدى وصفها أوتحليلها وتنبؤها للظاهرة، وفي الغالب ما يتوجه الباحث في تقييمه هذا إلى المطابقة الحرفية بين ما يحصل وفحوى النظرية، وهذا نتيجة تكوينه الجامد أو نمط تحليله الخالي من الديناميكية التفكيرية، إن هذا التعامل الصلب يعتبر قصورًا في تناول التنظير، فمثلًا لو افترضنا أن النظرية الواقعية تقر بالقوة والحرب لتحقيق الغاية والليبرالية تقر بالسلام كأداة لتحقيق السلم والأمن الدوليين، فماذا لو كان السلام يحقق القوة التي تريدها الواقعية؟ وماذا لو كانت الحرب ستحقق السلم والأمن الدوليين اللذين تنشدهما الليبرالية، فهل كان الواقعي وقتها سيتبنى الطرح الليبرالي، ويعتبر أن الواقعية قد فشلت؟ والليبرالي هل سيتملص من ليبراليته، ويعتبر مذهبه قاصرًا عن فهم الأوضاع؟

إذًا فإن علينا أن نفهم بأن تطابق النظريات مع الواقع لا يكون بتطابقها الحرفي مع الظاهرة، وإنما قد يكون بمعاكستها، ولعل مثال كوب الماء المملوء إلى النصف جيد للتفسير، فيمكن أن نتناوله بقول: إن نصف الكوب فارغ، أو أن نصف الكوب ممتلئ، فالميكيافيللية المطلقة لا تعني القسوة وفعل المحظور فقط، وإنما فعل أي شيء يثبت الأمير في كرسيه، ولو كان عاطفيًا أو طوباويًا، لذلك علينا تناول الأوضاع على سبيل الغاية لا الأداة والوسيلة، ولعل من ينتظر التطابق الحرفي للنظرية شأنه شأن ذلك الذي لا يزال يعتقد أن حروب الإسلام اليوم يجب أن تدار بالسيف مثل أيام الفتوحات الإسلامية، ويبقى السؤال مطروحًا هل هناك نظريات فاشلة؟ وللإجابة عن هذا ينبغي لنا أن نخصص نقاشًا في سياق آخر.

النظرية الوظيفية

في الوقت الي أكدت فيه المدرسة الواقعية على عنصر القوة واعتبرت الدولة فاعلًا رئيسًا في العلاقات الدولية كما وعد الفاعلون الآخرون امتدادًا لإرادة الدولة أيضًا، فإن النظرية الوظيفية ركزت على دور الفاعلين العابرين للقوميات، ويرى الوظيفيون أن القوة والتنافس عليها هو سبب الصراع والانقسام وعدم الاستقرار، وفي هذا السياق قد يسأل سائل: إذا كانت الوظيفية تقر بالفاعلين العابرة للحدود القومية، فكيف هي العلاقات الدولية في نظر الوظيفي؟ وهو سؤال وجيه، جدير بالذكر أن الوظيفية كانت في السابق ملتزمة بعلم السياسة، لكنها التحقت بعد ذلك بحقل العلاقات الدولية، وفعلًا من التناقض أن تنادي بذلك النمط من الفاعلين، وتباشر العلاقات الدولية بأنها علاقات بين دول وفقط، لذلك يلازم الطرح الوظيفي في العلاقات الدولية متغير «التكامل الدولي «integration».

فلسفة الوظيفيين تقول: إن «الحاجة توجد الوظيفة» أي أن البيئة المحيطة بالإنسان هي التي تعطيه وتحدد له الوظائف المنوطة به، فمثلًا فلاح في قرية من المؤكد أنه لن يكون صيادًا، بل تفرض عليه وظائفه من بيئته، وهو ما يسمى بالجبرية الطبيعية، وبما أن جيرانه من الفلاحين أيضًا سيخضعون لنفس الظروف، فإنهم سيتماثلون في القيم، ويشتركون في العادات والتاريخ، فنجد في البادية حالة الألفة، والتعاون، والمصير المشترك، والقيادة الموحدة، فيكون الجار بمثابة القريب، والممرض، والأخ على عكس المدينة التي تكرس الواقعية في العلاقات الدولية؛ حيث تتراجع الإنسانية مقابل المادة وحب الذات، وهو ما يعتبر نموذجًا حيًا للحالة التكاملية بين الدول، لذلك فإن البيئة الدولية تفرض على الدولة أنها لن تستطيع البقاء لوحدها، وبالتالي فإنها ستتوجه إلى التفاعل مع باقي الوحدات «الدول»، سواء كان هذا التفاعل في شكل صراع أو تكامل، والوظيفي يفضل التكامل.

تنطلق الوظيفية في تحليلها من مستويين؛ المستوى الداخلي: من خلال المؤشرات والقيم المشتركة الموجودة داخل كل وحدة سياسية، والمستوى الخارجي: من خلال تأثير النخب والقوى الخارجية على الوحدات السياسية لتحقيق التكامل فيما بينها، أما الأولوية عند الوظيفي في العلاقات الدولية هي الفواعل العابرة للقومية وهي وحدة التحليل، وتعتبر الوظيفة هي أداة التحليل، ومن أهم مسلمات الوظيفية يمكن أن نوجها في التالي:

مبدأ الانتشار «Spill over» وهو التركيز على السياسات الدنيا التقنية – الفنية «Low Politics» بدلًا عن التركيز على السياسات العليا «High Politics»، وهو ما جاء به ديفيد ميتراني «david mitrany».

التسييس التدريجي «Politicization gradual» وهو نقل التكامل من الاقتصاد إلى السياسة، وهو ما جاء بها أرنست هاس «ernest haas».

الربح والخسارة، وهو الترغيب للدخول في العملية التكاملية بالأرباح التي ستنجم عنها، وكذلك إخراج الدولة من التكامل بإحساسها بالخسارة من التكامل مثل ما حدث مع أوروبا في مشروع مارشال.

التكافؤ السياسي والاقتصادي لدول التكامل، وهو ما ذهب إليه جوزيف ناي «joseph nye».

عنصر الإكراه الخارجي الذي يفرض العملية التكاملية أو يرفضها مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت الاتحاد الأوروبي، وسعت إلى تفكيك أعمال وحدوية في المنطقة العربية، وهو ما جاء به إتزيوني «amitai etzioni».

عنصر الاتصال كضرورة لتجسيد عملية التكامل، وهو ما ذهب إليه كارل دويتش «karl deutsh».

النظرية الوظيفية والاتحاد الأوربي

تعتبر الوظيفية هي عرابة الاتحاد الأوروبي، ويتوجه الكثير إلى إرجاع نجاحه البعيد الحد إلى أنه طبق هذه النظرية بحذافيرها، وذلك من خلال توفر الشروط التي حددتها «الوظيفية» لنجاح التكامل مثل التقارب الجغرافي والتشابه في القيم والنظم السياسية، وتوفر رأي عام مشجع للتكامل حسب ما حدده «ناي»، إضافة إلى التجانس الثقافي والتشارك من حيث القيم «value sharing» وعنصر الخبرة التاريخية الذي ركز عليه «دويتش»، على الأقل الحربين العالميتين، كما أن الأوروبيين تمكنوا من تجسيد إطار بنوي جمعي تتخذ فيه القرارات المشتركة، وتتنازل فيه الدولة عن جزء من سيادتها لصالح الكيان العام، علاوة عن توفر الخطر الخارجي، أو ما يعرف بالمؤثرات الخارجية «external in fuence»، والذي يتمثل في عنصر الإكراه، سواء من حيث الشعور بالرغبة في التكامل لجني مكاسب، أو من حيث الإكراه الخارجي، والمتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية «أتزيوني».

ولا يمكن إنكار أن الاتحاد الأوروبي تمكن ولو بشكل نسبي بسبب الاستغلال المثالي للأفكار الوظيفية من امتصاص مشاعر التعصب الهوياتي والثقافي داخل دول الاتحاد لفترة طويلة عبر التركيز على التقنيات وتطوير المستوى المعيشي وتحقيق الرفاه بحكم أن الإنسان كلما كان أكثر ارتياحًا كلما قلت مطالباته الهوية والتاريخية، وبسبب ذلك تحقق نسق جديد من التماثل الاجتماعي «social assiùilation»، والذي يسمى «social causation» بمعنى الحافز أو المحرك الاجتماعي في التكامل والذي يسميه «دويتش» «sociocausal paradigm of integration» وهي تنامي النزعة الفوق قومية.

أما تقنيًا فقد تمكن الاتحاد من تجسيد المعنى الفعلي لعنصر الانتشار «spil over» التي جاء بها «ديفيد ميتراني» حيث بدأ الأوروبيون بالتكامل تدريجيًا من معاهدة روما 1957 «التعاون الجمركي والتنسيق الاقتصادي» إلى غاية معاهدة لشبونة 2007 «البديل الإطاري للدستور الأوروبي الموحد + اختصاصات وصلاحيات البرلمان الأوروبي» مرورًا بالقانون الأوروبي الموحد 1986 «تدشين سوق أوروبية مشتركة» ومعاهدة ماستريخت 1992 «العملة الأوروبية الموحدة» ومعاهدة أمستردام 1997 «السياسة الخارجية والأمنية الموحدة»، مجسدة بذلك أيضًا عنصر «التسييس التدريجي» بالانتقال من المستويات الدنيا التقنية للوصول إلى المستوى السياسي حسب ما جاء به «إرنست هاس».

صحيح أن هناك تنفيذًا فعليًا لأهم ما جاءت به النظرية الوظيفية وإسهامات روادها في أوروبا، إلا أن هذا لا يعني أن هذا الاتحاد مثالي أو معصوم من الاختلال، فمهما يكن تبقى النظرية قالبًا مثاليًا مجردًا عن الخلل، ويقع على عاتق المستخدم لها مهمة التطبيق والانتقاء الجيد لأهم أسسها.

كورونا «كوفيد 19» ومآلات أوروبا عن أي اتحاد نتحدث؟

يعتبر الحديث عن تفكك الاتحاد الأوروبي في ظل «كورونا» حديثًا مبكرًا لم ينضج بعد، وفي نفس الوقت يعتبر الحديث عن التفكك الأوروبي من السابق حديثًا منطقيًا أكثر قبولًا، وذلك نتيجة الأحداث الكثيرة التي أصبحت تضرب هذا الاتحاد سواء، فلا ينبغي أمام «كورونا كوفيد19» أن ننسى هاجس التجمعات المناطقية الذي يعصف بالاتحاد منذ زمن فقد عرف الاتحاد تجمعات واتحادات تنسق في ما بين دول معينة منفصلة عن البقية مثل «البينيلوكس-beneluxe» وأيضًا تجمع دول البلطيق «baltic assembly» الذي يعتبر تحالفًا برلمانيًا بين جمهوريات البلطيق الثلاث التي تنسق فيما بينها السياسات العامة الاقتصادية، والمالية، والعسكرية، وأيضًا مشكل الحركات الانفصالية والقومية داخل الدول الأوروبية الذي ربما كان الاتحاد قد نشأ أصلًا لأجل التغلب على النزعة القومية التي تسببت في الحربين العالميتين، إضافة إلى مشكلة التنسيق مع الخارج بدلًا عن التنسيق مع الاتحاد وهو ما حدث في الكثير من الأحيان عندما لجأت بعض الدول إلى التنسيق مع أطراف خارجية لمواجهة الازمات الاقتصادية، علاوة على التدخل الأمريكي في المنطقة ومسألة حلف الناتو وتنامي القوة الروسية من جديد في الشرق، وكذلك الضربات الاقتصادية التي تلقاها الاتحاد لا يمكن أن تكون بالسهلة أو خفيفة التأثير، والتي توجت بالانفصال البريطاني عن الاتحاد، لذلك فإن الحديث عن أن كورونا سيسقط الاتحاد فيه الكثير من القصور، وهو حكم نتج عن تحليل يقاطع الواقع ويتناسى الماضي القريب فكيف بالتاريخ البعيد.

بعد أن ضرب الفيروس أوروبا، وتحديدًا إيطاليا، ثم انتشر بصورة متفاوتة في باقي الدول الأوروبية، وظهر الارتباك الأوروبي؛ تم الكشف عن الاختلالات التي كان يخفيها الاتحاد، فالتفاوت والتباين في التعامل مع الجائحة بين الدول الأوروبية لم يأت بالجديد، وإنما جعل الأمور أكثر شفافية فقط، فلم تسجل هناك أية سياسات موحدة للتصدي للفيروس، وظهور القرصنة من جديد لسرقة المعدات الطبية، خاصة أن بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا أرسلت مساعدات طبية لإيران، ولم ترسل إلى إيطاليا وإسبانيا، إضافة إلى دخول فاعلين خارجيين لأول مرة على الساحة الأوروبية، مثل الصين ومساعداتها لإيطاليا، ولنا أن نتصور العلاقات الإيطالية – الصينية بعد الجائحة، بل أبعد من ذلك، لنا أن نتصور كيف ستكون العلاقات الأوروبية – الصينية والروسية – الأوروبية بعد الانكفاء الأمريكي عن أوروبا، وهو ما صرح به «نعوم تشومسكي» أن الفيروس إمكانية تفشيه في إيطاليا نتيجة التناغم الإيطالي مع روسيا، وكذلك توقع أن تنخرط إيطاليا في علاقات تجارية جيدة مع الصين، كل هذه الدلالات تجعلنا فعلًا نفكر في الاتحاد بعد الجائحة، وكيف سيكون، فكل دولة واجهت مصيرها وحدها، وهذا كفيل بأن يسهل علينا مهمة الاستشراف لا التأكيد على مصير الاتحاد، ولا يمكن إنكار تداعيات «كوفيد 19» على أوروبا، بل على العالم ككل، لكن لا يمكن أيضًا فصله عن أحداث وظروف سابقة كانت الجائحة بعدها رصاصة الرحمة في عدة مناطق، كما يمكن أن تكون الجائحة قبلة حياة لمناطق أخرى.

هل أخفقت النظرية؟

إنه لمن التقاعس الذهني أن نطلق مباشرة وبسرعة حكم إخفاق النظرية الوظيفية لما تعيشه الوضعية الأوروبية الآن، فالنظرية قلنا هي مجموعة من القواعد والشروط الواجب تنفيذها لتحقيق النتائج المرجوة، لكن الحالة الأوروبية وإن طبقت الكثير من تعاليم الوظيفية إلا أنه من غير المنصف أن نقول فشلت الوظيفية، أنا هنا لست بمقام المدافع عن الوظيفية، ولست مؤكدًا لنجاحها، وفي نفس الوقت لست مؤمنًا بإخفاقها، فالتسليم المطلق بالإخفاق يعني أن النظرية وإسهاماتها كانت سبب الاختلال، وهذا منطق مغلوط، لأننا بذلك نصف صانع القرار الأوروبي بالرجل المقدس الذي لا يخطئ، وأن النظرية هي التي غررت به، لماذا لا نقول إن عدم التطبيق والتقيد بأفكار الوظيفية هو الذي أدخل الاتحاد في هذه الوضعية، فنحن هنا مثل الذي لا يجيد لغة ما لكنه يقول إنها لغة سيئة، وهذا المنطق الأول في إنصاف الوظيفية.

المنطق الثاني هناك لبس يقع فيه الباحث من خلال اعتقاده بأن النظرية هي التي تعطي تجربة تكاملية ناجحة، وهذا خطأ، فقد يمكن أن يكون أن تكون النظرية الناجحة هي التي تعطي أسباب الفشل أيضًا، فمثلًا هناك من يعتقد أن الوظيفية فشلت حالة الاتحاد السوفيتي وتفككه بالعكس تمامًا، فالوظيفية بأن عدم التماثل القيمي وصعوبة التواصل وعدم التماثل في التركيبة السياسية ستكون سببًا في التفكيك، وهو ما فسر به «دويتش» تفكك الاتحاد، وبالتالي نجحت في التدليل على المشكل، كما أن فكرة الوحدة العربية مثلًا وفشلها يثبت نجاح المنطق الوظيفي الذي يقول إن العامل الخارجي والإكراه على اللاتوحيد يكون سببًا في عدم الاتحاد، وهو ما أثبتته الإدارة الأمريكية والإسرائيلية في هذه النقطة، مثلًا اتحاد المغرب العربي يعتبر أيضًا نجاحًا للوظيفية حيث تقول إن مشاكل الحدود وعدم الثقة واللا تماثل وعدم التشابه بين سمات الأنظمة هو سبب في عدم قيام هذا الاتحاد.

إن الباحث في الوطن العربي يتوجه إلى تقييم النظرية من خلال إنجاحها للحالة، وفي حال فشل الحالة تعتبر النظرية مخفقة، فمثل ما نعتبر النظرية ناجحة في تكريس التوحيد فهي أيضًا ناجحة في تكريس التفكيك، والنظرية الوظيفية تعتبر ناجحة من منظوري أيضًا في إعطاء الولايات المتحدة الأمريكية كل طرق إفشال المحاولات الاتحادية المهددة لها عبر العالم، لذلك فإن محاكمة الوظيفية أو غيرها من النظريات فقط لمجرد فشل في الواقع يعتبر قصورًا في الفهم؛ لأنه تبقى فرضية سوء التطبيق قائمة، ولذلك نعود إلى مثال نصف الكأس الممتلئ والنصف الفارغ فالنظرية التي تقول إن النصف ممتلئ صحيحة، ولو قلنا بنقيضتها وهي أن النصف فارغ فإن النظرية السابقة أيضًا صحيحة، ولا تعني عدم صحتها، فنجاح الاتحاد بمثل ما يكرس فشل نظرية ما بمثل ما فشله يثبت أيضًا نجاحها، ويمكن أن تنتهج الواقعية سبل السلام لو كانت هذه الأخيرة تحقق القوة والمصلحة، كما يمكن للميكيافيللية أن تنتهج المثل ما دامت تحقق البقاء في الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد