يتعرض العالم كل فترة من الزمن لأزمات كبيرة كالطاعون والإنفلونزا الإسبانية والحروب العالمية والكساد الكبير، وهذه الأزمات على اختلاف أسبابها وتوابعها أو طرق التعامل معها إلا أن العامل المشترك بينها هو جعل العالم كله يستشعر كأن النهاية قد اقتربت، ودفعته إلى إعادة حساباته في أمور عدة، وكذلك إعادة تشكيل توازناته.

وكما أثرت هذه الأزمات على العالم، فبكل تأكيد تأثرت مصر بتوابعها ولكنها مرت بأزمة كبيرة أخرى، ولكن الأزمة لم تكن بسبب انتشار وباء أو حروب أو أي من ذلك، وإنما كانت نتيجة انخفاض منسوب مياه النيل الذي أدى بالتبعية إلى التأثير على الزراعة، فجفت الأراضي الزراعية، وهو ما أثر بالسلب على كل نواحي الحياة في مصر آنذاك فلم يجد الناس ما يأكلونه وهو ما دفعهم إلى أكل القطط والكلاب والبغال وكل ما طالته أيديهم، حتى إنهم أكلوا لحوم بعضهم البعض في بعض الأحيان. وقد عرفت هذه الأزمة بالشدة المستنصرية نسبة إلى المستنصر حاكم مصر آنذاك.

ومما زاد الفاجعة سوءا في البداية جشع التجار الذين جعلوا البضائع تشح في السوق ليزيدوا من أسعارها، فكانت الثروات لا تكفي ثمنًا لوجبة ثم ساءت الأحوال أكثر وتضرر الجميع وأصبحت الثروة لا تكفي ثمن قطعة خبز واحدة.

والآن نحن نشهد أزمة أخرى مع ظهور الفيروس الوبائي المعروف بـ«كورونا» وإذا لاحظت سلوكيات الأفراد، سيتضح لك أنهم يتصارعون على تخزين المواد الغذائية والطبية (التي تعد في نظرهم أداة من أدوات بقائهم على قيد الحياة) وذلك خوفًا من أن يعانوا مستقبلا من ندرتها أو نفادها، فاختصوا بها أنفسهم دون النظر إلى حاجات الآخرين بل تصارعوا عليها وكادوا يفتكون ببعضهم للحصول عليها. ونشهد حاليا تكرار مأساة جشع التجار التي عانت منها مصر خلال أيام الشدة المستنصرية، فيعطشون السوق في وقت الحاجة ويرفعون الأسعار طلبا للمكسب السريع مستغلين في ذلك المرض ومعاناة الناس والتي ستنتقل إليهم في النهاية أيضًا.

ولم يقتصر الأمر على أفراد المجتمع، بل اتجهت حكومات بعض الدول إلى الإعلان أنها ستتخلى عن بعض الفئات (الأكبر سنا أو المصابين بأمراض ما) وذلك في سبيل الحفاظ على حياة البعض الآخر، وهي تصرفات وإن بدت للبعض أنها عقلانية وأنه ربما التصرف الأمثل لكي تتوفر الرعاية لمن سيبقى فيجب التضحية بالأضعف، إلا إنه في نظري تصرف يخلو من إنسانية، تصرف مجرد من كل معاني الخير الذي كنت أظنه في البشر. فدائما ما كنت على قناعة بأن البشر خيرون وأرفض فكرة أن البشر أشرار بطبيعتهم، وأن رغبتهم في البقاء هي التي تدفعهم إلى ارتكاب الفظاعات وإلى الصراعات مع بعضهم البعض فقط من أجل البقاء.

وذلك ما دفعني إلى التساؤل هل كان هوبز محقا حين افترض أن البشر أشرار بالطبيعة؟ وأنهم يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة بغض النظر عن مصالح الآخرين؟ وأنهم يفتكون ببعضهم البعض في سبيل تحقيق تلك المصالح؟ حيث اعتقد أن الفرد جبان وأناني ويستخدم كل طاقاته لتحقيق مصالحه فهو لا يهتم إلا بتحقيق الطمأنينة لنفسه دون النظر لغيره إلا إذا كان بقاؤهم ضروريًا لبقائه.

ولكن هل تتحول النقمة إلى نعمة؟ هل بعد انتهاء الأزمة سيتغير شكل العالم؟ هل يراجع القادة خططهم ويتوجهون أكثر نحو تحقيق مصالح شعوبهم؟ وهل تقل اهتماماتهم الموجهة نحو التسليح والحروب وتحول نحو التفكير في السلام وكيفية نشره في العالم وكيفية جعل العالم قرية صغيرة فعلا متحابة يسودها السلام والتعاون؟ وهل يغير الناس اتجاهاتهم ومتطلباتهم وآرائهم السياسية ورؤيتهم للحياة بشكل عام؟ أم سيبقى الحال كما هو عليه ؟ فأي جانب من جانبي الطبيعة البشرية ينتصر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد