حين اجتمع الأب مع أطفاله يفتحون الحصّالات (المطمورات) ليشتروا ألعابًا يكسرون بها الملل من الحجر المنزلي، كانت الصاعقة من أحد الأبناء:

أبي! أولاد خالتي استشهد أبوهم؛ فلماذا لا نُرسل هذه النقود إليهم في سوريا، إذ لا أب لهم، وعندنا ألعاب كثيرة هنا، وأنت عندنا وتشتري لنا، ونحن في بيت جميل وهم في خيمة!

أبي! إن كنا – نحن السوريين – في تركيا فقط أكثر من 3 مليون؛ فلو كل واحد منا حمل واحدًا من السوريين في الداخل ألا يمكن أن نكفي بعضنا بالحدّ الأدنى!

أبي! أنا لا أتصور كيف سيكون حال الأطفال في سوريا إن انتشر عندهم وباء كورونا، لا قدّر الله؛ فنحن وسط إجراءات عزل وحجر منزلي ودولة توزّع المساعدات الطبية والغذائية وتضبط الناس وحركتهم، ونراقب ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات بشكل مخيف يوميًا؛ فالحمد لله أن الله لطيف بعباده، والله أرحم بالسوريين من كل العالم.

في تلك اللحظة رجعت إليّ صورة الرجل الخمسيني الذي استصدر بعد عناء إذنًا للخروج من بلدته نحو بلدة خطيبته ليزورها، فتصوّر مع الإذن في ذهولٍ من الناس والأمن وسعادةٍ منه تفوق ذهولهم!

وفي وقفةٍ مع النفس تكدست على أبواب قلبي صور من البرتغال، وبريطانيا، وألمانيا، وإسبانيا، وسويسرا، وأمريكا، وتركيا، لسوريين أعلنوا الحبّ بطرق شتى في وجه جائحة كورونا.

ففي البرتغال استنفر آلان غنيم وزوجته رامية للطبخ للكادر الطبي، تقديرًا لجهود المرابطين على الخطوط الأولى في مواجهة كورونا، فوجدوا لذتهم في صنع الطعام لمن يرابط أمامهم في وجه العمّ كورونا، كما وجد العاملون في المجال الطبي لذة الحبّ والوفاء مع طعام غنيم يصل إليه في المشفى أو ينتظرهم ليحملوه إلى بيوتهم!

وفي ألمانيا وجدنا عائلة سوريا تستنفر كبارًا وصغارًا لإنتاج كمامات حين مسّت الحاجة إليها وانقطعت من السوق؛ فلم يعجزوا واستنفروا بطاقاتهم الفردية لإنتاج الكمامات وتوزيعها على الألمان الذين استقبلوهم وآووهم. ولأنهم يعرفون حبّهم وفزعتهم ناشدت السلطات الألمانية الأطباء السوريين للتطوع في مواجهة كورونا وإن لم يكونوا مسجّلين؛ ولم يتأخروا. وكم سعدتُ وأنا أتواصل مع ابن بلدنا الدكتور قاسم لأعرف أنه مع الأطباء في المشافي الألمانية؛ كما كان في المشفى الميداني أيام حصار حمص والقصير.

وفي إسبانيا رأينا كيف بذل رئيس الجالية الإسلامية الطبيب الشاميّ رياح ططري روحه على جبهة مواجهة الوباء؛ إذ لم يقف عند عمله الدعوي للمسلمين، فتابعَ عمله الطبي بحبّ ووفاء حتى قضَى نحبه. كما قرأنا كيف كسرَ أحمد وأسيل جدران الخوف والهلع في برشلونة بأنغام دافئة للتسلية عن الناس الخائفين.

وفي بريطانيا يترك المخرج السوري حسان عقاد عمله ليتعاقد مع مشفى بريطاني كعامل خدمة؛ حبًّا منه للبلد الذي استضافه وليساعد بمواجهة كورونا فيه، بعد أن قضى عنده الطبيب الدمشقي فايز عيّاش في مشافي لندن خلال عمله الطبي في حرب العمّ كورونا، وفي مدينة هيريفوردشاير البريطانية تطوعت 21 عائلة سوريا وجمعت التبرعات وقدّمتها لمشافي المدينة.

والحب في إيطاليا عاد بالطبيب عبد الستار عيرود من التقاعد للعمل مع السلطات للعمل في طفوف الأطباء ورعاية العوائل المحيطة به، فما زال يبذل وقد ردجَ في الثمانين حتى قضَى شهيد الواجب المهني بعد خدماته الطبية لعقود. وفي إيطاليا ذاتها لم يجد محمد الحسن إلا يدَيه تنطقان بالحبّ وشكر البلد الذي استضافه، فانطلق يحيك الكمامات والأقنعة ويوزّعها على الإيطاليين وهم في ذهول لمهارته التي لم يكونوا يعرفون عنها، حتى أطلقها حبّ الحسن للخير!

والحبّ حملَ شادي شحادة أن يكون ابنًا بارًّ بالمسنّين في سويسرا، ممن يتعذّر عليهم الخروج لتأمين احتياجاتهم مع اشتداد أزمة كورونا في البلاد، فتقول امرأة مسنّة أبناؤها بعيدون في دول أخرى: صار شادي أحد أبنائي. ثم أطلق مع شباب سوريين في جنيف ولوزان لدعم المسنّين في تأمين ما يلزمهم!

وأي شيء غير الحبّ يطير بالطبيب زاهر سحلول إلى شيكاغو الأمريكية بعد عمله الدؤوب في معارك الإنسانية في بلده سوريا، ليتقدم الصفوف في حرب كورونا في مشافي شيكاغو وينغمس بتفانٍ وحبّ في العناية المركَّزة هناك، حيث ينجح المهندس نارت أسعد مع أطفاله بتصنيع جهاز تنفّس اصطناعي بتكلفة 100 دولار للمشاركة في مواجهة العمّ كورونا!

وفي تركيا وقد اختلطت دماء الأتراك مع السوريين في الشمال السوري قريبًا مما اختلطت منذ نحو قرن في تشناك قلعة؛ فلا عجب أن يبرع محمد إسماعيل بالبلازمة المناعية لصالح مرضى فيروس كورونا في تركيا بعد تعافيه من الفيروس، وأن يتطوّع مئات الأطباء السوريين للعمل مع إخوانهم الأتراك على خطوط مواجهة الوباء في مختلف الولايات التركية، ليرتقي الطبيب محمد الشمّاع خلال عمله لمكافحة كورونا في إسطنبول.

وفي الكويت لم يتأخر السوريون عن مساعدة إخوانهم في التصدّي للوباء، حتى أُصيب الطبيب مساعد العويص بالفيروس خلال عمله في أحد مراكز الحجر الصحيّ هناك.

وليس هذا بحثًا لاستقصاء مواقف السوريين في مواجهة وباء كورونا في البلدان التي يقيمون فيها، وإن كان الموضوع يستحق الاعتناء والدراسة؛ فهي لم تحصل في بلد واحد، أو من أفراد معدودين؛ بل هي أحقّ ما يمكن أن تعطي صورة شعب سوريا.. فإنما هي نماذج إنسانية تصرخ بالحبّ.

سوريا ذاتها التي يُذبَّح أهلها ولا يدري كثير من شعوب تلك الدول عنها إلا ما يتوافد عليهم من اللاجئين، فيتضجّرون منهم؛ إلا قليلًا غلبتْهم الإنسانية فأحبّوا اللاجئين ونصروهم.

سوريا ذاتها التي إن قُدِّر لوباء العمّ كورونا أن يغزوها فلا يمكن لمخيلة أحد أن تحيط بأطراف مأساتها؛ وليس هذا في المناطق المحررة شمالًا فحسب، بل في مناطق النظام المتهاوي مثل ذلك، لاسيما مع وباء لا يتعرف بحدود ولا يميز بين مناطق النفوذ؛ بل يخترق الحصون ويدمّر الحدود الزاحفة أصلًا في سوريا بكل اتجاه.

هذه هي سوريا.. سوريا المحبّة التي لم يحفظ نصارى الشام فيها أحدٌ أيام الفتنة مع الدروز في بداية أواخر القرن التاسع عشر إلا علماء الشام المسلمون، فأخذوهم وأسكنوهم في منازلهم بحي الميدان ليحموهم؛ وتحمّلوا لذلك تهديدات طائفية واستعدوا لمواجهة دفعوا بعد ذلك ثمنها من أموالهم كتعويضات لحرب شنَّها غيرهم على جيرانهم الذين أحبّوهم!

هذه هي سوريا .. سوريا السلام والحرية التي خُنقت فيها بعد البعث، الذي كتبها في شعاره، لكنه سلبَها الناس منذ الستينيات، ولم ترجع حتى هبّت ثورة الكرامة وشعارها: حرية للأبد!

هذه هي سوريا الحُبّ فاضت به خارج حدودها، على نحو ما فاضت أرواح أطفالها على منحر الحرية، ومن دون هذا الحبّ لن ننتصر؛ فكيف تنتصر ثورةٌ يرتفع الحب من بين أبنائها، فيعتدي قويّ بسلاح الثورة على ضعيفٍ سبقَه فيها بسلميّته؟! وأين الحبّ من استغلال المهجَّرين برفع أجور البيوت حتى فاقت في بعض مناطق الثوّار إيجارات العقارات في دول الجوار؟! ولماذا ارتفع الحبّ حتى غصّت سجون فصائل محسوبة على الثورة بأبنائها؟

نعم؛ لن تنتصر ثورتنا ما لم يرجع الحبّ الذي تبدّت علاماته في بدايتها على وجوه المتظاهرين، يوم حملوا بعضهم وداوَوا بأيديهم جراحهم. يومَ أحبّوا الحرية فبذلوا دماءهم ثمنًا لها.

ولعل رسالة الحبّ التي جعلت السوريين في مختلف البلدان جنودًا في مواجهة الوباء؛ تَقِي سوريا وأهلها المستضعفين المخاطر، فالقلوب على شدة الألم فيها لا تحمل الحقد لأحد، بل تحمل الحبّ رسالة أبدية عنوانها: سوريا الحرّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد