نقاش حول كورونا

هل فيروس «كورونا» مؤامرة أم عقوبة إلهية أم جيل جديد من الفيروسات؟

عرفت البشرية الكثير من الأوبئة والأمراض عبر تاريخها الطويل، فالجدري مثلًا تسبب في مقتل الملايين من البشر قبل أن ينتهي سنة 1980، مرورًا بالطاعون الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر الميلادي، ولا ننسى الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت بعد الحرب العالمية الأولى التي قضت على ثلث سكان العالم قبل الوصول إلى علاج لها، بالإضافة إلى الملاريا، والكوليرا، والإيدز، وكان أخيرًا الإيبولا، والسارس.

وكلها كانت تفتك بالبشر، ومع ظهور «كورونا» تتجدد المأساة البشرية، ولكن هذه المرة يأتي هذا الفيروس ونحن في القرن الحادي والعشرين، الذي يُعدّ أكثر القرون تقدمًا وتطورًا عبر التاريخ، وأثار جدلًا واسعًا بين الناس العاديين والسياسيين والحكام، فمنهم من يقول: إن الفيروس هو مؤامرة خبيثة لضرب الاقتصادات الصاعدة والناجحة، ونتحدث هنا عن الصين، ومنهم من يرى أن انتشار هذا الفيروس ما هو إلا عقوبة إلهية لما تقوم به الصين تحديدًا ضد مسلمي الإيغور، ومنهم من يقول إنه حالة طبيعية لتطور الفيروسات وإعادة تشكيل نفسها ومواجهتها للمضادات التي صنعها الإنسان.

فالقائلون بنظرية المؤامرة يحتجون بقولهم: إنّ الولايات المتحدة الأمريكية رأت في التطور الصناعي الصاعد للصين تهديدًا خطيرًا لاقتصادها، حيث باتت الصين منافسًا قويًّا في منتجاتها الصناعية والزراعية للمنتجات الأمريكية خاصة والغربية عامة، فهي تحتل المركز الأول في المنتجات الغذائية الأساسية مثل (الأرز والقمح وغيرها)، أما في الصناعة فتحتل الصين المركز الأول في صناعة الصلب والأنسجة القطنية والنسيج الاصطناعي، إضافة إلى دخولها سوق السيارات بقوة؛ ومما ساعد على هذا كله سياسة الانفتاح التجاري الذي تنتهجه الصين الذي سهل عليها التسويق وجذب الاستثمارات.

أضف إلى ذلك القيمة الرخيصة نسبيًا للمنتجات الصينية أمام المنتجات الغربية؛ الأمر الذي جعلها تقتحم الأسواق العالمية بقوة وجدارة، هذه المعطيات جعلت التنافس التجاري بينها وبين الغرب عامة والأمريكي خاصة محمومًا، وقد شجع هذا التنافس كثيرًا وصول ترمب إلى سدة الحكم في أمريكا، وهو رجل أعمال، وهمه الأكبر هو الكسب والربح، حيث اتخذ خطوات كثيرة لكبح جماح الاقتصاد الصيني من خلال فرض ضرائب مضاعفة على كثير من منتجاتها الأمر الذي حدا بالصين إلى الرد بالمثل.

والمتابع للسينما الأمريكية يلاحظ تركيزًا كبيرًا على الأفلام التي تتحدث عن فيروس يدمر العالم أشهرها فيلم (contagion)، أو المرض المعدي الذي انتجته هوليود والذي تنبأ مخرجه بانتشار مرض معد يقتل الملايين والغريب بالموضوع أنه اعتبر مصدر المرض هو الخفافيش، ويبدأ بمدينة مزدحمة بالسكان، ثم ينتشر إلى باقي دول العالم ليقتل الملايين، وهو ما حدث حرفيًا بفيروس «كورونا» عندما انتشر الفيروس بمدينة (أوهان) الصينية المزدحمة بالسكان وحددت السلطات الصينية أن مصدره الخفافيش؛ مما عزز رأي أصحاب نظرية المؤامرة، وجعلهم يظنون بأن الأمر ليس مصادفة.

ولكن مع وصول هذا الوباء وانتشاره في كثير من دول العالم حيث أصبحت أوروبا مُصدِّرا كبيرًا لهذا الفيروس، ووصوله إلى أمريكا نفسها، فقد بدأ أصحاب نظرية المؤامرة لترويج أن أمريكا نشرت الفيروس، ولكنه خرج عن سيطرتها، أضف إلى ذلك قولهم إن أمريكا مستعدة لتقويض الاقتصاد الصيني حتى لو اضطر الأمر بها للتضحية بجزء من شعبها.

وأما القائلون بأن «كورونا» ليس إلا عقوبة إلهية نزلت عليهم بسبب ما يفعلونه بالمسلمين في إلى إقليم (تركستان الشرقية) أو إقليم شينجيانغ بالصينية الذي تقطنه أغلبية مسلمة، حيث فرضت السلطات الصينية مجموعة من الإجراءات القاسية ضد المسلمين هناك، فحسب صحيفة «الإندبندت» البريطانية فإن الحكومة الصينية فرضت قوانين صارمة تجاه المظاهر الدينية للمسلمين، منها:

منع النساء اللواتي يغطين أجسامهن من دخول المؤسسات الحكومية، بل يجب إبلاغ الشرطة عنهن، كما منعت أطفال المسلمين من دخول المدارس الحكومية، ومنع الزواج على أسس الشريعة الإسلامية، كما أمرت جميع المسلمين بتسليم جميع المصاحف وسجاجيد الصلاة والمتعلقات الدينية التي ترمز للإسلام، إضافة إلى منع إطلاق اللحى ومعاقبة من يرفض مشاهدة التلفزيون الرسمي… وغيرها من الإجراءات التعسفية التي وصلت إلى حد احتجاز مئات الألوف منهم في معسكرات اعتقال جماعية.

كل هذه الإجراءات عززت لدى الكثير من المسلمين حول العالم اعتقادهم أنّ ما يحدث في الصين من انتشار فيروس «كورونا» هو عقوبة إلهية، فقد احتجز الفيروس ملايين الصينيين في بيوتهم وخلق حجرًا إجباريًا على عشرات المدن الصينية، ولكنّ هذا الأمر أثار تساؤلًا لدى البعض: هل الإغور على درجة عالية من الإيمان حتى ينتقم الله لهم؟ وبالتالي فإن المسلمين الذين يقتلون في كثير من بؤر الصراع على درجة أقل من الإيمان؛ فلا يستجيب الله دعاءهم!

وهناك فريق ثالث يرى أن الفيروسات تتطور وتتأقلم، فكلما اكتشف العلماء علاجًا لمرض ما تجد الفيروسات طريقها إلى مقاومة هذا العلاج والتحول إلى فيروس آخر، حيث يرى علماء الأحياء الدقيقة أنّ الفيروسات بإمكانها التحور والتبدل بحيث تنتج سلالات جديدة، إضافة إلى أن لها الكثير من الأنواع، قسمها العالم الأمريكي ديفيد بلتيمور إلى ثنائية، وأحادية، وإيجابية وسلبية.

ويحتج هؤلاء أيضًا بأنّ الفيروسات التي تسبح في عالمنا تقدر بالملايين، إلا أن الإنسان لم يستطع اكتشاف أكثر من 5 آلاف من الفيروسات بشكل تفصيلي؛ مما يجعل الإنسان عرضة لأنواع جديدة من الفيروسات لم يتعرف عليها البشر سابقًا؛ الأمر الذي ينتج عنه أوبئة وخسائر بشرية كبيرية قبل أن يتوصل الإنسان إلى علاج خاص به، وكل شيء مرهون بشكل الفيروس الذي سيظهر كل مدة من الزمن.

وبغض النظر عما يذهب إليه أصحاب النظريات الثلاث السابقة، فإننا نعتقد أن الفيروسات جند من جنود الله تصيب من يشاء وتترك من يشاء، ويبقى عالقًا بذاكرتنا الإسلامية ما يسمى طاعون «عمواس» الذي ذهب بسببه عدد غير قليل من خيرة الصحابة، على رأسهم الصحاب الجليل أبو عبيدة بن الجراح، وهذا لا يعني أنها عقوبة إلهية حلت بهم، كما أنَّ القول إنّ «كورونا» مؤامرة أمريكية بعيد عن الحقيقة لأسباب، أهمها أن كثيرًا من المصانع الأمريكية العملاقة تتخذ من الصين مقرًا لها، وليست شركة «أبل» العملاقة إلا واحدة منها، أضف إلى ذلك أن ضعف ما تنتجه المصانع الأمريكية من السيارات يُصدر إلى الصين، وإلى درجة كبيرة نتفق مع من يقولون إنَّ هذا الفيروس «كورونا» هو سلالة جديدة من الفيروسات التي لم يكتشفها الإنسان من قبل، أو هو فيروس تطور عن فيروسات أخرى كفيروس «السارس» الذي انتشر في العام 2002 في الصين أيضًا.

وإلى أن يجد الإنسان لقاحًا أو علاجًا لهذا المرض لا يسع الإنسان إلا اتباع إرشادات الجهات الصحية، وخاصة فيما يتعلق بالنظافة والابتعاد عن الأماكن المزدحمة قدر الإمكان، وهنا يمكننا أن نتساءل: إلى متى تبقى الدول العربية والإسلامية تنتظر الدول الأخرى لاكتشاف علاج أو لقاح؟ أين مراكز أبحاثنا؟ أين أطباؤنا الذين يعدون بمئات الآلاف، إن لم يكن بالملايين، منتشرين في العالم الإسلامي المترامي الأطراف؟ ماذا تفعل الدول والحكومات غير حث المواطنين على النظافة أو التزام منازلهم؟ ماذا يفعلون بالأموال التي يحصلونها من الضرائب المفروضة على الشعوب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد