خلال الأسابيع الأخيرة، تسببت جائحة فيروس كورونا المستجد (Covid 19) والتفشي المتسارع له في مختلف بقاع العالم بالشلل –إن لم نقل التام- فهو الشبه تام للحياة من خلال تقليص حركة الأفراد وحريتهم من خلال منع تنقلهم وتطبيق الحجر الصحي في المنازل، غلق مختلف الحدود الجوية والبرية والبحرية بين الدول، إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، والأهم من ذلك إظهار تخوف وضعف الدول في التصدي ومقاومة الفيروس، حتى الدول التي كانت تعتبر في محل قوة وتطور، بالرغم من المحاولات المتعددة لإيجاد علاجات لمقاومته والحد من تفشيه المتزايد يوميًا.

فما نلاحظه يؤكد أن هذا الفيروس حاله حال الكوارث المفصلية، التي حدثت في العالم وغيرت بحق خارطة النظام العالمي وموازين القوى فيه، إذا لم نتمكن من التحكم فيه فسيكون حدثا عالميا بدأ في تدمير العالم نظرا لسرعة انتشاره وعدم القدرة على تحديده والتحكم فيه، وبالتالي لا يمكن تخيل عواقبه على المدى الطويل.

وعليه التاريخ سيكتبه المتفوقون على جائحة كورونا، وهذا بطبيعة الحال سيكون على حساب الدول الأخرى، وبالتالي انتهاء ربما فكرة التفوق الأمريكي. وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: هل سيساعد فيروس كورونا على تقدم بعض الشعوب وتغيير موازين القوى في العالم إلى الأبد؟ وهل سيكون سببًا في ظهور موجة حداثة جديدة في العالم؟ هل فيروس كورونا يعتبر فعلا سلاحًا بيولوجيًّا لتحقيق هذا التغيير لموازين القوى العالمية؟ ما يمكن توقعه في هذه المرحلة بعد تفشي فيروس كورونا أن العالم لن يكون كما كان عليه، خاصة من الجانب الاقتصادي والسياسي، وتوزيع موازين القوى العالمية في شتى المجالات.

لقد غير فيروس كورونا العديد من تصوراتنا لواقع الحياة المعيش بدأ بحرية التنقل والخروج إلى تطبيق عملية الحجر الصحي بالمنازل، مرورًا بالخسائر الاقتصادية وتغيير السياسات العالمية. فهو يسير تقريبًا في نفس طريق الإنفلونزا التي أصابت العالم خاصة في إسبانيا سنة 1918 وأدت إلى وفاة أكثر من 50 مليون حالة، لكنه أكثر حدة من المتوقع له. وبالتالي سيكون سببا رئيسيا لتغيير تاريخ العالم من خلال تأثيره كذلك على الوعي. هذا الوعي الذي يدخل ضمن استراتيجية الدولة والمرتبط أساسًا بثقافة الأفراد حول العديد من المسائل والقوانين التي يجب عليهم احترامها وتطبيقها، باعتبارها الوقاية الأساسية والوحيدة في غياب العلاجات واللقاح ضد فيروس كورونا، من بينها وكما سبق الذكر مسألة الحجر الصحي والبقاء في المنازل لتفادي حدوث العدوى، وبالتالي حماية الذات والآخر، لكن للأسف لا نملك في مجتمعاتنا هذه الثقافة، وبالتالي كان الحجر في بعض الأحيان بالقوة، وهذا ما أدى إلى حدوث العديد من المشاكل الأسرية وانتشار العنف المنزلي سواء بين الأزواج أو بين الأبناء.

كما أدى هذا الوباء إلى تغيير الأفراد إلى لما نسميه بالعادات الفردية. فكثير من العادات والممارسات التي تعودنا عليها علينا تجاوزها والابتعاد عنها كالاختلاط الاجتماعي، الزيارات، اللقاءات… وبالمقابل هناك ممارسات علينا تعلمها وتبنيها كالابتعاد الاجتماعي، النظافة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، لباس الكمامات، استعمال المطهرات… بالمقابل هناك مفارقة يجب الحديث عنها حول وائل التواصل الاجتماعي، والتي كانت تعتبر من أهم وسائل التباعد الاجتماعي قبل حدوث هذا الوباء، أصبحت تساعد اليوم في زمن تطبيق التباعد الاجتماعي الوسيلة الوحيدة والأساسية للتواصل بين الأفراد عوض الالتقاء باستعمال مواقع التواصل الاجتماعي فقط وبالتالي تطبيق التباعد الاجتماعي حتى بين أفراد الاسرة الواحدة.

هذا الفيروس الغامض الذي أثبت بحق ضعفنا وهشاشتنا أمام مقاومة الأوبئة لسبب واحد، وهو غياب التخطيطات الاستراتيجية لمقاومة الكوارث المتوقعة، وعليه فهده المرحلة تقتضي حقًا تطوير البحث العلمي ووضع استراتيجية للحماية من الأمراض والأوبئة مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد