أكدت الطفرة غير المسبوقة بعد الحرب العالمية الثانية، الحاصلة في مجال الاكتشافات النووية، استحالة المواجهة المباشرة بين الدول الكبرى في النظام الدولي؛ فاستخدام السلاح النووي معناه فناء البشرية؛ ليترسخ هذا الاعتقاد بعد نهاية ما يُسمى بالحرب الباردة، لتتخذ الحروب شكلًا مغايرًا من بينها هذا السلاح البيولوجي الذي اجتاح العالم وحصد إلى غاية كتابة هذه الكلمات أزيد من ست وأربعين  ألف إنسان، والعدد متصاعد بتصاعد عدد الإصابات، وكأنّ الوضع يشبه محلات البورصة، وكأن الكورونا حرب عالمية ثالثة سلاحها الفتاك هذا الفيروس.

فيروس كورونا المستجد: روايات واتهامات:

ظنَّ الجميع وبمجرد الإعلان عن انفلات الوضع في مدينة ووهان الصينية – وهي البؤرة الأولى المصدّرة لفيروس كورونا المستجد – بأنه لن تقوم للاقتصاد الصيني قائمة بعد الآن، وأن العملاق لم يعد عملاقًا اقتصاديًّا، ورسميًّا الولايات المتحدة الأمريكية هي العملاق الأوحد على الساحة الدولية، وبالتالي فقد اختلفت وتعددت الروايات حول مصدر الفيروس والتي ارتأينا عرضها كالآتي:

رواية الغالبية المسلمة: اعتمدت غالبيتها على تفسير عقائدي وبأنّ الله يسلط  عقوبته على الصين، وبأنّ الوضع انتقام رباني خصوصًا ما سبق ظهور الفيروس من حملات إعلامية غربية موجّهة للاضطهاد الذي تتعرض له الأقلية المسلمة المسماة بالإيغور.

الرواية الصينية: الفيروس انتشر بواسطة أفراد من الجيش الأمريكي أثناء مشاركتهم في المنافسات العالمية للرياضة العسكرية .

الرواية الأمريكية الغربية: والتي تراوحت بين مصدرين، سوق الأسماك بمدينة «ووهان» الصينية، وأحد مخابر المدينة ودورها في تطوير الفيروس، وكثيرًا ما يطلق عليه تسمية «فيروس ووهان»، لتعلن مؤخرًا على لسان مسوؤلي وزارة العدل على مسؤلية الولايات المتحدة الأمريكية عن نقل الفيروس بالتعاون مع مركز دراسات وأبحاث في ووهان، إلاّ أن الطريقة التي نُقل بها لم تكن آمنة مما أفقد السيطرة على الفيروس.

نجحت الصين عمومًا في نقطتين رئسيتين:

الأول: محاصرة الفيروس واحتواؤه حتی أصبحت الإصابات اليومية تعد بالأصابع، بل إنّ أغلب الحالات من فئة العائدين من الخارج.

الثاني: «نقل المعركة إلی أرض العدو»، وهي العقيدة التي تغلب بها الزعيم السوفيتي ستالين علی الألمان في الحرب العالمية الثانية، بصرف النظر عن أن الطبيعة ساعدته في ذلك و..و.. إلخ، فالصين بعد توجيه أصابع الاتهام للولايات المتحدة الأمريكية بنشر الفيروس، ما لبث أنّ مرّ أسبوعان إلا وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بؤرة للمرض بإعلانها عن العديد من الولايات بأنها موبوءة، وأصبحت تُسجل أرقامًا مأهولة في اليوم الواحد.

الاتحاد الأوروبي في بين الاستمرار والاضمحلال:

إنَّ السيرورة الجغرافية التي صار بها الفيروس أثناء انتشاره تبدو مريبة نوعًا ما، فالهند مثلًا المجاورة للصين يشهد الفيروس فيها انتشارًا بطيئًا جدًا، فضلاً عن تعدادها السكاني الذي يتجاوز المليار ومئات الملايين، والحال نفسها لدول جنوب شرق آسيا، وعلى العكس من ذلك انتشر بوتيرة متسارعة في القارة العجوز، الأمر الذي يُجدد الريبة بشأن المسار الجغرافي للفيروس.

وبالتالي نكون قد ارتأينا وضع سيناريوهين لوضعية الاتحاد الأوروبي في زمن الكورونا.

السيناريو السلبي:

تفكك الاتحاد بشكل شبه رسمي ظاهريًّا، ولعلّ أهم مؤشرات ذلك تصريح رئيس الوزراء الصربي، بأنه اكتشف أنّ التضامن الدولي غير موجود، ليُسند الثقة إلی الصين لتسارع الأخيرة في الرد بقبول تقديم المساعدة وعدم التخلي علی الشعب الصربي، وكأن صربيا محمية في إمبراطورية الصين، وكذلك إيطاليا التي عابت على الاتحاد الأوروبي على عدم تفعيل أجهزته وآلياته لنجدة ايطاليا وباقي الدول، وفي الوقت نفسه احتواء بعض الدول الأوروبية، والتي من المتوقع أن تكون الصين من أكبر شركاء القارة بعد انقشاع ضباب الأزمة.

في سياق هذا السيناريو اعتمدنا على مثالين هما دولة هامشية في الاتحاد الأوروبي (صربيا)، ودولة مركزية (إيطاليا).

السيناريو الإيجابي:

تُشير الملاحظة التاريخية القريبة الى أنّ الاتحاد الأوروبي دائمًا ما يتأخر في التعامل مع العديد من الأزمات – وليست هذه الأولى – وهذا ما حصل فعلًا مع هذه الأزمة أو الجائحة الراهنة.

بينما يُراهن الكثير بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على دور كل من ألمانيا بالدرجة الأولى، وفرنسا بدرجة أقل على تولي قيادة القاطرة الأوروبية، بصفتهما الأقوى اقتصاديًّا وحتى سياسيًّا داخل القارة.

وها هي فرنسا تشرع في إرسال بعض المصابين للعلاج في ألمانيا، لتسارع إيطاليا كذلك في إرسال بعض من المصابين الى هناك، مستفيدين من الدعم الألماني.

وفي إطار هذا السيناريو يمكن المراهنة على التحرك الألماني لنجدة الأوربيين تدريجيًّا، وفي الوقت نفسه تُسابق المخابر الفرنسية لاكتشاف دواء مناسب بما يتوافق وجسم الإنسان، الأمر الذي من شأنه أنّ يُخفف نوعًا ما من شدة الأزمة السياسية التي خلقها الفيروس داخل التكتل، وبالتالي استمراريته من وجهة نظرنا.

وفوق كل هذا وذاك فإن هذه الأزمة تحمل بعض الإيجابيات، خصوصًا إذا ما علمنا أنَّ معظم حالات الوفاة – إنّ لم تكن كلها – من كبار السن، إنّ هذه –أي الشيخوخة- والتي تعد أهم مشكلة واجهها الاتحاد الأوروبي منذ نشأته.

وختامًا يمكننا الإقرار بالبعد الدولي والتأثير ذي النطاق العالمي للأزمة الحالية، والذي من دون شك يؤثر بشكل أو بآخر في الدول وفي التكتلات الاقتصادية، لكن ليس لحدّ تفككها كما يُبالغ البعض من وجهة نظرنا، فالاتحاد الأوروبي دائمًا ما يكشف في كل أزمة عن مدى المرونة التي يتمتع بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد