إن التعامل مع أية أزمة ينطلق أساسًا من الإحاطة بطبيعتها وأبعادها؛ إذ لا يمكن إجراء تقييم سليم أو رسم إستراتيجية ناجعة لإدارة أي أزمة دون الإحاطة بتفاصيلها، وحصر متغيراتها، ووضع الافتراضات والخطوات، والخطط الأساسية لإدارتها، وفق المناهج المعروفة لإدارة الأزمات.

وعليه فإن التعامل مع هذا الوباء يجب ألا يتم وفق الأساليب التقليدية، فلابد أن يُتعامل معه بطريقةِ تفكيرٍ مختلفة، سواء على مستوى السلطات الوطنية أو المحلية، أو على مستوى المواطنين، فنحن نعلم أن هذا الوباء قد غيّر العديد من الأعراف والسلوكيات الاجتماعية وفرض منطقه على الشعوب، كما دفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات وتدابير غير مسبوقة، للتعامل بالفعالية والسرعة اللازمة مع تداعيات هذا الوباء التي تتميز بما يلي:

1. سرعة تطورها وتوسعها أفقيًا وشبكيًا.

2. هذا الوباء ينتشر وفق متتالية هندسية متزايدة مثل كرة الثلج.

3. نسبية التحكم في متغيراته وآثاره، فهو يتميز بالفجائية والخفاء والسرعة.

4. شموليته لأغلب الفئات العمرية للمجتمع إذا استثنينا الأطفال الصغار.

5. انتقاله بأبسط الأسباب وعن طريق الفم أو الأنف أو العينين.

6. وجوده في أغلب المرافق والوسائل والمواد الصلبة واسعةِ الاستخدام.

ومن هنا فإن التعامل معه يتطلب وعيًا كبيرًا، وجهدًا واسعًا، وعملًا جماعيًا متكاملًا، للتحكم في سلسلة انتشاره والتخفيف من آثاره؛ لأن القضاء عليه نهائيًا أعتقد أنه سيبقى مرتهنًا باكتشاف اللقاح المناسب، كباقي الوباءات التي أصابت البشرية عبر العصور.

إلا أن رهان الدولة على وعي المواطنين دون فرض الانضباط العام ولو بالقوة، يعتبر مسلكًا غير رشيد، إذ لابد عن التعامل بصرامة إزاء هذا التهديد الصحي الذي ارتقى إلى المساس بالأمن القومي للبلاد وتعطيل مصالحها الحيوية، فلابد عن إشعار الناس بخطورة الوضع وعدم المبالغة المفرطة في التطمينات التي لا تمت للحقائق الميدانية بصلة، وينجر عنها انعكاسات سلبية ستطيل أمد الأزمة، فمن الضروري جدًا أن يكون مستوى التعامل على قدر مستوى التحدي والخطر أو أكثر، إذا شئنا أن نسير في الطريق الصحيح لمجابهة هذا الوباء. ولتحقيق «إدارة فعالة لأزمة كوفيد 19» أقدم – ومن وجهة نظري – الاقتراحات التالية:

أولًا ضرورة منح صلاحيات واسعة للولاة ورؤساء البلديات لاتخاذ القرارات المناسبة والاستعجالية، بحسب المعطيات وتطور الحالة الوبائية بكل ولاية وكل بلدية أو حي أو مقاطعة، واكتفاء السلطات العليا بالمتابعة والمراقبة والمرافقة، فالمركزية الشديدة التي تميزت بها إدارة هذه الأزمة، خلّفت فجوة بين السياسات المتخذة على المستوى المركزي والأولويات العاجلة التي يقتضيها الوضع المحلي، خاصة في الأشهر الأولى لفرض الحجر الصحي.

ثانيًا إنشاء خلايا إدارة الأزمة على مستوى كل ولاية للمتابعة والتنسيق والتنفيذ، ويمكن أن نقسمها إلى ثلاث خلايا أساسية:

أ- خلية التخطيط ورسم السياسات: وتضطلع هذه الخلية بالمتابعة اليومية لتطورات الوضع الميداني على مستوى الولاية، والتحرك على ضوء المعطيات اليومية، بوضع الخطط واقتراح الحلول والبدائل عبر التشاور والقرار الجماعي، فهذه الخلية تختص بإدارة الأزمة في شقها الصحي. ويجب أن تضم هذه الخلية في عضويتها: والي الولاية، مدير الصحة، ممثلين عن الأطباء بكافة اختصاصاتهم والممرضين من أعيان الولاية وذوي الخبرة، المختصين في علم الأوبئة والجراثيم، المخبريِّين، الطب الوقائي والأمراض المعدية.

ب- خلية التنفيذ: ومهمتها تنفيذ القرارات الصادرة عن أهل الاختصاص (الخلية الأولى)، وإيجاد الوسائل والظروف المادية والمالية والتقنية واللوسجتية لنجاح الخطط المرسومة، كما تقوم باقتراح حلول فعالة في حدود اختصاصاتها لتوعية الناس أو لكيفيات فرض الحجر الصحي، فهذه الخلية تختص بإدارة الأزمة في شقها الاجتماعي، والاقتصادي، والأمني. وتضم في عضويتها: والي الولاية، رئيسي البلدية والدائرة، مدير الصحة (عضوًا ومنسقًا بين اللجنتين)، مدير الأمن الولائي، مدير الحماية المدنية، رئيس المجلس الشعبي الولائي، قائد الدرك على مستوى الولاية، المندوب الولائي للهلال الأحمر الجزائري، والكشافة الإسلامية (ويمكن توسيع عضوية هذه الخلية بحسب الحاجة لتشمل بعض المديرين التنفيذيين ورؤساء الجمعيات النشطة).

ت- خلية الإحصاء والإعلام والاتصال: وتضطلع بنشر المعلومات الصحيحة وجمع الإحصاءات والبيانات المختلفة، والرد على الإشاعات وإنارة الرأي العام المحلي بكافة التفاصيل، وإعطاء تفسيرات صحيحة لكل حالات الوفيات أو الإشاعات، وتضم في عضويتها مختصين في الإعلام والاتصال على مستوى الإذاعة أو الجامعة، ونشطاء موثوقين وبارزين في الجمعيات أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ونسجل في هذا الإطار ضعفًا كبيرًا على مستوى آليات الاتصال بين السلطات والمواطنين وطنيًا ومحليًا، ولازلنا إلى اليوم ونحن في عالم التقنية المعلوماتية والاتصالات الرقمية، نعاني كثيرًا من كثرة الأخبار الكاذبة وغياب الجهة الموثوقة التي تعطي الخبر الصحيح، بصفة منتظمة ومهيكلة، فلا بد عن أخذ هذا الأمر على محمل الجد والتحرك سريعًا في هذا الاتجاه.

ثالثًا استغلال المرافق وهياكل الدولة على المستوى المحلي لدعم المراكز الاستشفائية، كالملحقات التابعة لقطاع الصحة، والفنادق العمومية أو دُور الشباب، أو مراكز الراحة الخاصة بالمجاهدين، أو المدارس الابتدائية المتوفرة على المرافق الضرورية، كالمكيفات وبيوت الخلاء والمطاعم… إلخ (4 أو 5 مراكز)، وتحويلها إلى مراكز مؤقتة للاستشفاء تقوم بكافة الإجراءات اللازمة من الفحص الشعاعي، والتحاليل، والتشخيص، ويتم توجيه كل المرضى الجدد إليها، مع تخصيص مركز، أو اثنين للفحص، والبقية للحجر والمتابعة الصحية، وهذا الإجراء يهدف إلى:

أ- تخفيف الضغط على المستشفيات المركزية وتخصيصها للحالات المتقدمة ولكبار السن.

ب- التقليل من احتمالات تفشي العدوى بتفريق المصابين وتفادي اجتماعهم بعدد غفير في مكان واحد.

ت- الحفاظ على سلامة الطواقم الطبية وتوسيع دائرة الأمان الصحي.

ث- تخفيف الضغط على الطواقم الطبية وتحقيق مستوى معقول من الإشراف الصحي، فكل مركز مستحدث سيضم ما بين 40 إلى 50 مريضًا وهو ما يساعد في عزل المرضى، وتقديم رعاية صحية أفضل.

رابعًا النظر في إمكانية تسخير أفراد الهلال الأحمر الجزائري والحماية المدنية المتكونين في الإسعافات الأولية، لسد العجز في الممرضين ومساعدي التمريض، وحل مشكلة نقص الموارد البشرية المؤهلة.

خامسًا النظر في إمكانية تسخير المتكونين في معاهد الشبه طبي المشرفين على التخرج، من خلال تعجيل إجراءات تخرجهم ومنحهم الشهادات وتوجيههم إلى المراكز المستحدثة، على أن توكل لهم الحالات الأقل ضررًا أو التي هي في طور التماثل للشفاء، نظرًا لعدم خبرتهم، ومن الأفضل أن يتم تنظيمهم في مجموعات من خمسة إلى ثمانية أفراد تحت إشراف ممرض متمرس وذي خبرة ميدانية.

سادسًا فتح باب الإنخراط لكل المتطوعين في السلك الطبي كالأطباء الخواص أو مهنيي الصحة المتقاعدين وأصحاب سيارات الإسعاف، مع توفير الضمانات الوقائية والمتابعة الصحية لجميع الطواقم الطبية والمتطوعين.

سابعًا الاستعانة بالخواص لتدعيم الطواقم الطبية بالتجهيزات والمعدات الصحية الضرورية، مع إعطائهم تحفيزات خاصة من حيث الضرائب والتسهيلات الإدارية مستقبلًا.

ثامنًا العمل على توسيع عمليات التشخيص المبكر بتوفير التحاليل الطبية الخاصة بكورونا PCR عبر ربوع الوطن، وهذا بفتح المجال لرجال الأعمال وللخواص لإجراء هذه التحليل مع دعم الدولة لتكاليفها.

تاسعًا نظرًا لدقة وحساسية الوضع، وتفاديًا للتهرب من خلال تقديم الشهادات المرضية، ولتجنيد أكبر عدد من الموارد البشرية، لابد عن وضع تحفيزات لكافة الفرق الطبية ومهنيي الصحة، وكل المتطوعين والمساهمين، وعدم الاكتفاء بالتسخير القانوني، الذي قد لا يكون ناجعًا في العديد من الحالات.

عاشرًا إن هذه التحفيزات والامتيازات قد تكون ذات طابع مادي، أو معنوي، أو وظيفي، ويمكن أن تتم بإحدى الكيفيات التالية:

1. تخصيص منح وعلاوات وربطها بمستوى الأداء والإشراف مع التعجيل بدفعها (كالمنحة التي أقرها رئيس الجمهورية).

2. منح امتيازات وظيفية لكل موظف أمضى مدة معينة في الخدمة خلال فترة الوباء، كاحتسابها في الترقية، سواء في الدرجة أو الرتبة، مثلًا: كل شهرين عمل خلال الوباء تعادل خبرة ستة أشهر.

3. تعويض العمال بعطلة إضافية تمنح لهم بعد زوال الوباء من شهر إلى شهرين، يحق لهم استغلالها متى شاءوا وفق الترتيبات التنظيمية.

4. تخصيص شهادات لكل موظف خلال الوباء، تعطيه الأولوية أو نقاطًا إضافية في أي ملف يقدمه مستقبلًا للترشح إلى منصب أعلى أو رتبة وظيفية أعلى، على غرار فكرة (ذوي الحقوق) في ملفات التوظيف.

5. تخصيص منحة للأداء الجماعي للفرق أو المؤسسات الطبية التي أثبتت أداء متميزًا، وحققت تقدمًا في مستوى العلاج والخدمات، مع مراعاة التفاوت في حجم ضغوط العمل وظروفه.

6. توفير الضمانات والتطمينات الكافية من حيث الحماية والمتابعة الصحية الدورية للفرق الطبية وتوفير كافة مستلزمات الوقاية لتحفيز الموظفين خاصة المتطوعين.

ويمكن اقتراح أي فكرة أخرى في هذا السياق، وهذه المقترحات مستوحاة من نظريات إدارة الموارد البشرية، التي تَعْتَبِر التحفيز الوظيفي من أهم مداخل تنمية وتطوير الأداء والسلوك التنظيمي للموظف.

حادي عشر اقتراح انتهاج صيغة جديدة للحجر تقوم على مفهوم «الحجر التناوبي»، وذلك من خلال تقسيم البلديات إلى مقاطعات (كل مقاطعة تضم مجموعة أحياء)، وتقسيم الأنشطة والخدمات المجتمعية إلى فئات، وبدلًا عن توقيفها كليًا يتم تحديد وتقليص أيام وأوقات عملها، ويتم تطبيق «الحجر التناوبي» وفق الخطوات التالية:

1. تنطلق هذه الفكرة ابتداء بفرض حجر كلي وطني لمدة لا تقل عن 15 يومًا، بما في ذلك الموظفين الحكوميين والخواص، وهي مدة تطور الوباء، وذلك للتحكم في إحداثيات انتشار الوباء وبؤره وخريطة توزيعه عبر الولايات والبلديات وعبر الأحياء والمقاطعات، وإحصاء كافة المصابين وعزلهم، وبهذا يتم التمكن من قطع سلسلة الانتشار، مع الإبقاء على المرافق الضرورية، ويُفَضَّلُ الاستعانة بالأسلاك الأمنية ووحدات الجيش لفرض هذا الحجر.

2. يتم الفتح تدريجيًا من خلال:

– تخصيص يومين فقط لأسواق الخضر والفواكه، ويتم غلقها في بقية الأيام.

– تحديد ثلاثة أيام خلال الأسبوع لفتح محلات المواد الغذائية على أن تحدد ساعات العمل من الثامنة صباحًا إلى الثانية ظهرًا مثلًا.

– تخصيص أيام معينة لبقية الأنشطة بعد تقسيمها إلى فئات متجانسة.

3. وضع إحصاء دقيق لخريطة انتشار الوباء ونشر إحصاءات المصابين والوفيات بحسب الأحياء، لأخذ الحيطة والحذر من جهة، وحتى يسهل تطبيق الحجر التناوبي من جهة ثانية، والأفضل أن يخصص موقع أو تطبيق إلكتروني يوضح الخريطة الوبائية للولاية.

4. تقسيم إقليم الولاية إلى مقاطعات (المقاطعة تضمن مجموعة أحياء)، وتبعًا لتطور عدد الإصابات بكل حي يتم فرض حجر كلي على الحي المقاطعة الذي يشهد ارتفاعًا في عدد المصابين، وتخصص له فرق خاصة من الشرطة وفرق اليقظة، لفرض الحجر مع ضمان الحد الضروري للخدمات.

5. فرض ارتداء الكمامة بكل حزم ووضع عقوبات صارمة على المخالفين، كالغرامة المرتفعة وقد تصل العقوبة إلى السجن.

6. إن هذه الخطة تتطلب منح صلاحيات واسعة للجماعات المحلية وخلايا الأزمة المنشأة على مستوى كل ولاية.

ثانيَ عشر ضرورة تكثيف الحملات الإعلامية كتقديم حصص عن طريق الإذاعة من طرف بعض الشخصيات الوازنة بالولاية كالأئمة والأساتذة والفنيين واللاعبين… إلخ.

ثالثَ عشر فتح صناديق ولائية لجمع التبرعات وحشد المواطنين ورجال الأعمال للمساهمة في تلبية الاحتياجات عند حدوث أي نقص في المواد والأجهزة الضرورية بالولاية، على أن تسند مهمة إدارة الصندوق لهيئاتٍ ورجال ثقات من أئمة وأطباء وغيرهم، وتحت إشراف مديرية الشؤون الدينية ومديرية الصحة، فالصناديق الولائية أعتقد أنها أكثر فعالية، وسرعة في الاستجابة للتحديات والاحتياجات التي تختلف من ولاية لأخرى.

رابعَ عشر استغلال جميع مساجد الولاية للقيام بحملات تحسيسية عبر مكبرات الصوت، وإلقاء دروس دورية وفق برنامج مسطر وخطة مرسومة من طرف مديرية الشؤون الدينية، وكذا إنشاء صفحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لنشر فيديوهات توعوية للأساتذة، والأئمة، والأطباء، والرموز الفكرية، والثقافية، والفنية.

حفظ الله الجميع من هذا الوباء، ومتعكم بالصحة والعافية والهناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد