لطالما حملت أعتى الأزمات خيرًا كثيرًا، فهي على عكس ما قد تبدو فرصة لإعادة النظر في كل شيء تقريبًا، والإنسان بعدها عادة يختلف عما هو قبلها، ولا شك أن الأزمات هنا تتضمن الحروب، والمجاعات، والأوبئة، ونحو ذلك من النوازل.

ما يهمنا الآن هو أوجه استغلال الإنسان العربي لأزمة «كورونا» العالمية، وما يرافقها من تغييرات بنيوية هائلة؛ اقتصادية، وسياسية؛ واجتماعية؛ فما لم يكن مقبولًا بات اليوم مطلوبًا، وما كان ترفًا أو حلمًا صار اليوم غايةً وحقيقة.

إن ما تشهده المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء؛ من توجه نحو نمط العمل عن بعد، واستغلالٍ للتقنيات الحديثة بحدها الأقصى هو تحول هائل وملحوظ، فبعض المؤسسات استطاعت إنشاء أنظمة كاملة تفي على الغاية في مددٍ زمنية قياسية، وهو إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على مدى التأقلم السريع ووجود الخامات المؤهلة، والمواهب الفذة في عالمنا العربي، والتي استطاعت إنجاز هذا الكم الهائل من العمل المتقن في الفترة الوجيزة الماضية.

لا شك أن نظام العمل عن بعد هو نظامٌ جديدٌ لم يعتده الكثيرون، بيد أن سبر أغواره خلال هذه الأزمة قد يؤدي إلى خلق فرصٍ جديدة مستقبلًا، وتطوير أنظمة العمل، وتوفير كمٍّ هائل من الموارد، ففي المنظمة التي أعمل فيها – على سبيل المثال – كان نظام العمل عن بعد مطبقًا إلى حدٍّ مقبول قبل أزمة «كورونا»، لما فيه من مرونة وسلاسة في بعض الأحيان، ولكن منذ بدء هذه الأزمة، تمًّ التوسع في تطبيق هذا النظام خلال وقت قياسي، وتم التغلب على مشاكل البنية التحتية أيضًا نظرًا للظرف الطارئ الذي يعصف بالعالم كلِّه، غير أن كافة الملاحظات والعقبات التي تم التعامل معها باحترافية وفعالية؛ ستؤخذ بعين الاعتبار مستقبلًا من أجل تطوير نمط العمل هذا، وجعله أكثر كفاءة.

لو خرجنا خارج نطاق هذا المثال، لوجدنا أن هناك حديثًا حقيقًا، وتفكيرًا جديًا للاستفادة مما تم التوصل إليه هذه الأيام، وهذا كفيل بجعلنا نشهد قفزات في الأعمال، قد تنعكس إيجابًا على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي على حدٍّ سواء.

من جهة أخرى، فإن نظام التعليم عن بعد يُظهر أيضًا كفاءة عالية إلى حدٍّ ما، وهو نظام فعال يعتبر بديلًا مطروحًا في كثير من الأحيان، ويلاقي شيئًا من الاستحسان بناءً على المشاهدات الحالية، على الرغم من كونه نظامًا جديدًا على كثير من الطلبة، ولكن في المقابل، فقد كشف تطبيق هذا النظام في هذه الفترة عن قصور وخلل كبيرين في إلمام البعض، وخاصة بعض الأساتذة الجامعيين بالتقنيات الحديثة، ولعلَّ هذا من أعظم فوائد هذه الأزمة أيضًا؛ إذ تم الكشف عمَّا تمَّ تغطيته والسكوت عليه لفترات طويلة، وهو أمر لا يمكن التهاون به أبدًا، إن أردنا الارتقاء بمؤسساتنا التعليمية مستقبلًا.

ومما لا يمكن إغفاله هو أن جزءًا من سلبيات التعليم عن بعد تلاشت من خلال تطور المنصات التي توفر بعضًا من مزايا التعليم الصفي، وهذا مما لم يكن متوقعًا ألبتة، فهذه المنصات تتيح جوًا من التفاعل بين الطلبة أنفسهم وبين الطلبة ومعلميهم، وهذه الاستنتاجات هي مجرد مشاهدات شخصية، غير أن نتائج الدراسات الحقيقية المستقبلية – إن وجدت – عن مدى رضا أطراف العملية التعليمية هي الفيصل في هذا الشأن، وكل ما ورد هنا هو مجرد دعوة لإعادة النظر في كل ما اعتدنا عليه وألفنا سماعه عن سلبيات وتحديات قد تكون متوهمة تواجه هذه الأنظمة والأنماط، والبحث في أساليب جديدة تسعى لتجاوز العقبات الحقيقة، وتُعرِّي العقبات الوهمية، والتخوفات الزائفة.

لقد وضعت أزمة «كورونا» حلولًا وبدائل شتى لمشكلات حقيقة تواجه الكثيرين، فحقبة «كورونا» تؤسس لحقبة جديدة قد يعي فيها الإنسان العربي مواضع الخلل والضعف الحقيقية، وتسعى فيها المؤسسات إلى رأب الصدع بين قدرات العاملين ومتطلبات العصر؛ من خلال إيلاء العناية بالموارد البشرية، فهناك مؤسسات لا تعبأ بمؤهلات أفرادها، ولا تستثمر فيهم ألبتة، والمضحك المبكي أنها تطمح على الدوام إلى زيادة عائداتها، وتحسين جودة خدماتها، فأنى لها ذلك؟

إن الأزمات الصعبة كفيلة تمامًا بإعادة صقل الإنسان وصياغته، بل صياغة مستقبله، فهي فرصة حقيقية للتفكر والتدبر، والبحث عن حلول جديدة مبتكرة للأزمات، خاصة في أجواء الحظر التي عمت بلدان العالم، فليس الاختلاط الدائم هو ما يحتاجه الإنسان باستمرار، إذ لا بأس بقليل من الهدوء والانعزال وإمعان النظر في كل شيء، في الأنماط، والأساليب، وفي الحياة برمتها؛ لعلَّ القادم يكون أفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد