في حين أن دولًا تسابق الزمن باحثة عن علاج لفيروس كورونا، ما زال يطل علينا كثير بحلول خارج حدود العقل والمنطق، بل إنها وصلت إلى حد الاستخفاف بالعقل العربي، وهذا يدفعنا إلى السؤال عن دور العالم العربي أفرادًا وحكومات، وموقعه في عالم البحث العملي، وأين وصل الحال بنا ومدى ارتباط التفوق بميدان العلم بواقع الاستبداد الذي نعيشه حياة يومية.

يعيش العالم العربي أزمة حقيقية؛ وذلك بالنظر إلى حجم الإنفاق على البحث العلمي بحسب أرقام اليونيسكو فهو لا يتجاوز 1%، أي إنه أقل من 15 مليار دولار نسبة إلى الناتج القومي الكلي للدول العربية، في حين لو قارنا هذا الرقم مع عدة دول سنجد فارقًا كبيرًا؛ فمثلًا الولايات المتحدة تنفق نحو 463 مليار دولار، والاتحاد الأوروبي ينفق 363 مليار دولار، أما الصين فهي تنفق نحو 377 مليار دولار.

والشاهد أن الدول الأكثر إنفاقًا على البحوث العلمية تتصدر التصنيفات العالمية في جودة الحياة والخدمات العامة والبنية التحتية، وبهذا فإن ارتباط البحث بمعايير الحياة ارتباط وثيق، غير أن المشكلة ليست بالأموال؛ لأن بلادنا العربية تملك الثروات الطبيعية، وتصنف كأغنى الدول بالبترول والغاز والذهب، إذًا فالمعضلة تكمن في توظيف هذه الأموال وإدارة المصادر وتوفير بنية مناسبة للبحث العلمي.

هذه الحقائق لا تغيب عن صنّاع القرار في بلداننا، ولكن يغيب عنهم النزاهة والشفافية، فلو رجعنا إلى الدول التي تتصدر سلم البحث العلمي سنجد أنها تتصدر كذلك تصنيفات الحرية السياسية، وحرية الوصول إلى المعلومة، وكذلك فإن الباحث يحظى بالتقدير المعنوي والدعم المادي، وهذا بعكس الدول العربية التي تقبع في أسفل الترتيب فيما يخص النزاهة والمكاشفة، ونراها تتصدر ترتيب الأكثر فسادًا، ومن ناحية فإن البيئة في الوطن العربي بيئة طاردة للباحث وغير مشجعة؛ فنرى أن معايير المحسوبية هي ما يتحكم بالترقية العلمية.

كما أن العائد على الباحث (ماديًّا) لا يتناسب مع مجهوده، بل إن الاستمرار في طريق الدراسات العليا يكون عبئًا على أصحاب الأفكار الخلاقة، ومن هنا فإننا بسهولة سنجد أمثال أحمد زويل، وفاروق الباز، وعصام حجي خارج عالمنا العربي، وأن عقولهم الإبداعية يذهب عائدها إلى أمريكا والدول الأوروبية، وهؤلاء يستفيدون من العقول العربية في مجالات كالفضاء، والطب، والهندسة، والكيمياء، والعلوم النووية، والزراعة، والذكاء الاصطناعي، والنتيجة أن هذه الدول تتقدم على كافة الأصعدة، والباحث العربي ينال لقاء جهده.

لقد ساهمت عوامل كثيرة في وقف عجلة البحث العلمي، ونأخذ هنا العراق وسوريا نموذجين في عالمنا العربي، حيث إنهما كانا يحتكمان على أنظمة تعليمية تضاهي الأنظمة الأوروبية الحديثة، والنتيجة أن العراق استطاع أن يبني مفاعلًا نوويًّا ويستخدمه في إنتاج الكهرباء، غير أن إسرائيل دمرته خشية استخدامه لإنتاج سلاح ذري يهدد تفوقها على العالم العربي بامتلاكه، أما سوريا التي تعد رائدة الدول العربية في مجال الترجمة، ومدى أهمية الترجمة في نقل آخر العلوم، فقد أُوقفت هذه الحركة العلمية بنشوب الحرب وتغذيتها من أطراف مختلفة.

وفي ظل تراجع ملحوظ للدول العربية، نجد أن إسرائيل لا تضيع الفرصة وتستثمرها بالترويج لها؛ فمن ناحية تسلط الضوء على كل منجز ولو كان صغيرًا، ومن ناحية تبرز هذا المنجز كتفوق على العالم العربي، وذلك من خلال المقارنة المستمرة بين إمكانياتها ومساحتها وما يملكه العرب، وفي هذا توظيف للحرب الإعلامية ومناورة في ساحة صراع الأدمغة، والترويج للرواية الصهيونية أن إسرائيل دولة علم وديمقراطية وسط مستنقع من الجهل والديكتاتورية.

ينبغي لنا إدراك أهمية البحث العلمي وأهمية الباحثين في مختلف المجالات، وضرورة ربط نتائج البحث بالإنتاج لتحريك عجلة الاقتصاد، ولا ينبغي ترك هذه البحوث حبيسة الأدراج، فإما أن ينساها الزمان وينسى صاحبها، أو أن يلتقط هذه البحوث ويستفيد منها دول تقدر العلم وترفع العلماء، كما يجب تدارك معركة العقول في العدو الإسرائيلي والتصدي له، ويجب إعطاء حيز أكبر للحريات، وتكريم أصحاب الإنتاج الفكري بعيدًا عن المحسوبية التي أجلستنا مكاننا وجعلت أممًا أخرى يسبقوننا، رغم أننا سبقناهم إلى العلوم القديمة، بل إن حضارتهم قامت على أنقاض حضارتنا.

ينبغي قراءة التاريخ فهو مليء بالعبر، ومحاولة فصلنا عن تاريخنا هو محاولة إبعادنا عن إرثنا العلمي، وفي الوقت ذاته محاولة لتصدير آراء غريبة وأشخاص أغرب يتركون البحث العلمي وينادون بالشلولو علاجًا للكورونا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد