فإن جائحة كورنا كشفت الغطاء عن البنى التحتية للرأسمالية، وعن هشاشة النظام الصحي الذي أصبح يقرر من له الحق في البقاء فيستحق العلاج ومن يترك هملا بلا إنسانية ولا شفقة ليلقى مصيره، لأن كبار السن لم يعد لهم أي دور في الإنتاج والعمل والرقي بالاقتصاد.

لكن هذا الاقتصاد التي تسعى الدول للمحافظة عليه لا شك أن خريطته ستتغير في العالم كغيره من النظم السياسية والاجتماعية… خاصة أنها في الآونة الأخيرة كرست جهودها في الصناعة الثقيلة، والتكنلوجيا، والروبوات، وأغفلت الموارد البشرية وما تحتاجه من قيم، وأخلاق، ورعاية صحية، حتى أصبحت كل دولة تستنجد بأختها، ولكن بدون جدوى لسان حالهم يقول «نفسي نفسي»، بل ذهب الأمر إلى أبعد من هذا وهو سرقة المعدات والمستلزمات الطبية المستوردة.

فلا غرو بعد انكشاف هذه الغمة ستعيد كل دولة ترتيب أوراقها على جميع القطاعات، كذا سياستها الخارجية، لكن السؤال الذي يحير الجميع من سيتزعم الاقتصاد العالمي وما هي الحلول المرتقبة؟ أما عن الحلول فلا يمكن معرفتها إلا بعد زوال الأزمة، وإن كانت بعض الإرهاصات بدأت تقترح مقترحات[1].

أما من سيتصدر الاقتصاد العالمي فهناك عدة فرضيات تقول:

إن الأفق يلوح إلى تصدر الصين الريادة الاقتصادية، خاصة أنها استطاعت التغلب ولو جزئيًا على الفيروس، وأصبحت ملاذ الدول تستنجد بها كأوروبا وغيرها من الدول، لتزويدها بالمعدات واللوازم وكذا الطاقم الطبي، وهذه الأخيرة – أي أوروبا – قد تعرف كسادًا لم تعرفه منذ الحرب العالمية الثانية، وقد يؤول الأمر بالاتحاد الأوروبي إلى الانفكاك خاصة أن إيطاليا وصربيا لما طلبت يد المساعدة الكل ولاهما ظهره.

قد تجلس القوى العالمية المسيطرة على الاقتصاد العالمي للتفاوض وإيجاد حلول للخروج من الأزمة بشروط تحقق لها الاستقرار والبقاء في الواجهة كالولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والاتحاد الأوروبي وغيرهم.

قد يؤول الأمر إلى تغيير بعض النظم الاقتصادية وأخص بالذكر النظام الرأسمالي الحر، كي لا يبقى له مطلق التصرف في القطاع الصحي والاجتماعي، بل ضرورة تدخل الدولة لضبط الاقتصاد بشكل لا يخل بمدأ الحرية الفردية، أو بالأحرى إحياء نظم جديدة التي أصبحت فئة من الدول تستند إليها في مشارق الأرض ومغاربها، كالاقتصاد الإسلامي الذي في طور النمو والتجديد – أي إحياء ما اندرس منه – لكنه يحتاج إلى دعم من الدول وإلى استقلالية تامة عن الاقتصاد الكلاسيكي في الفكر والمناهج والأدوات.

ومن أسوأ الفرضيات الصراع بين القوى العالمية التي تتزعم الصدارة، وقد بدأت تُلوّح به بعض الدول من خلال اتهام الصين كمصدر لانتشار الفيروس، وأنها حرب بيولوجية، ومطالبة بعض المؤسسات برفع دعوة ضدها لتحملها الخسائر التي تكبدتها الدول.

فالسؤال الذي يطرح نفسه ما موقف الدول التي في طور النمو، هل ستبقى مكتوفة الأيدي تنتظر من يقرر لها مصيرها، خاصة أن بعضها استفاد من الهجوم الشرس للفيروس على أوروبا وغيرها، كالمملكة المغربية – على سبيل المثال لا الحصر – فاستطاعت أن تحقق مبدأ «الوقاية غير من العلاج» وقامت بمبادرات تحسب للدولة، كصندوق فيروس كورونا الذي قُرِّرَ له 10 مليار درهم، وفي غضون أقل من أسبوع جُمعت فيه قرابة 30 مليار درهم[2] ويزيد، لدعم عدة قطاعات منها تعويضات العمال الذين توقفوا عن الشغل، والدعم المؤقت للأسر العاملة في القطاع غير المهيكل، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة المتضررة، وإعداد أكبر مستشفى في أفريقيا يبلغ مساحته 20 ألف متر مربع، ويضم 700 سرير لإيواء المصابين بالفيروس، وتشجيع المقاولات التي أبدت نجاعتها بصناعات محلية للأجهزة التنفسية، والكمامات الوقائية والمستلزمات الطبية، وغير ذلك من الإجراءات، بل أصبحت تمدّ يد المساعدة لبعض الدول الإفريقية، وتنقل إليها تجربتها.

ألم يأن لهذه الدول أن تفكر في مصيرها وبطفرة اقتصادية لنظام جديد، خاصة أن لها من الموارد ما يجعلها تستغني عن غيرها، وأن شعوبها لها رغبة كبيرة في التبرؤ من الرأسمالية التي انكشف قناعها.

ويقول جاك أوستروي: «إن طريق الإنماء الاقتصادي ليس مقصورًا على المذهبين المعروفين، الرأسمالي والاشتراكي، بل هناك مذهب اقتصادي ثالث راجح، وهو المذهب الاقتصادي الإسلامي، وإن هذا المذهب سيسود عالم المستقبل؛ لأنه أسلوب كامل للحياة».[3]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد