التداعيات و المخاطر جائحة كورونا علي النظام الدولي

مقدمة

في ظل تفاقم أزمة انتشار جائحة كورونا على المستوى العالمي وبالخصوص على مستوى القارة العجوز بدا الاتحاد الأوروبي فاشلًا في سياساته الوقائية والاحترازية والاجتماعية، وغياب أبجديات الأمن الصحي من جهة فشل المنظومة الصحية الأوروبية التي تحدثت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسورلا فون دير لاين، عندما قالت إن القادة الأوروبيين قللوا في البداية من حجم خطر جائحة كورونا.

ونتيجة مخاصر الانتشار الكارثي للمرض، وردة الفعل الأوروبية تجاه الوضع الكارثي الذي وصلت إليه إيطاليا، أحد مؤسسي الاتحاد، إضافة إلى إسبانيا تركت علامة استفهام كبرى حول مصير التضامن الأوروبي وصلاحية مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فتعثر الاتحاد الأوروبي في التضامن مع روما ومدريد، والقرار المتأخر بإغلاق الحدود واضعا الاتحاد في مواجهة تسونامي وبائي قد يدق المسمار الأخير في نعش الاتحاد الأوروبي.

أولًا: الأمن الصحي وإدارة الأزمات الأمنية

تُعد إدارة النظام العالمي لمكافحة الانتشار الدولي لجائحة كورونا مسؤولية محورية وتاريخية للمنظمات الدولية والمجتمع الدولي وعلى وجه الخصوص المنظمة الصحة العالمية. وتوفر اللوائح الصحية الدولية التي تخضع لإدارة المنظمة صكًا قانونيًّا لتنفيذ ذلك. وتُمثل هذه اللوائح مجموعة القواعد الوحيدة المتفق عليها دوليًا التي تحكم الاستجابة الملائمة التوقيت والفعّالة للفاشيات والطوارئ الصحية الأخرى التي قد تنتشر انتشارًا يتجاوز حدود البلد المتضرّر. ومع ذلك فإن المتطلبات الدُنيا من القدرات الأساسية اللازمة لتنفيذ اللوائح لم تُستوف إلا في أقل من ثلث الدول الأعضاء في المنظمة. وهذا هو الوضع جليا خاصة في ظل تنامي هذا الوباء العالمي.

إن الأمن الصحي حلقات مترابطة تتولى الإدارة الأمنية متابعة حلقاتها المختلفة فبالنسبة للإدارة الأمنية لا يتوقف موضوع الأمن الصحي عن حدود مسؤوليات وزارة الصحة، بل يتعدى ذلك إلى كل ما له علاقة بالصحة العامة للبلد محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا وفي الوقت ذاته، فإن العوامل التي تحكم الأمن الصحي العالمي يتجاوز نطاق الدولة لوحدها وقدرتها على الاستجابة. فهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق التكتلات الدولية والمنظمة العالمية للصحة العالمية. ويُمثّل الوعد بالحصول على الدعم المالي والتقني حافزًا قويًا للتبليغ المبكر من طرف المنظمة الدولية وخاصة دول الاتحاد الأوروبي، ولكن الاستجابة غير الكافية من جانب هذا الأخير محتشمة. وتشير التجارب الواسعة إلى عزوف البلدان عن التبليغ بسرعة وشفافية عندما يفوق الضرر الاقتصادي المؤكد إمكانية الحصول على الدعم المالي والتقني.

ولهذا يبقى مفهوم الأمن الصحي أحد المرتكزات الأساسية للأمن الإنساني، فهو يدعم أهمية الأمن الصحي وهو احتواء بعض مختبرات المستشفيات على نماذج من الفيروسات الفتاكة، والتي تسبب الكثير من الأمراض والأوبئة مثل الفيروس المسبب لمرض السارس والإيدز، سواء أكان ذلك المختبر من ضمن منشئات الصحية .

ثانيًا: رهانات الاتحاد الأوروبي قبل انتشار جائحة كورونا

واجه الاتحاد الأوروبي عدة تحديات أهمها تسييره لأزمات ضربت دوله الأعضاء، بداية من أزمة الديون السيادية والتي عصفت بدول منطقة اليورو بداية من سنة 2010، والتي سببتها آثار الأزمة المالية العالمية، والتي أدت بدول مثل اليونان وأيرلندا وأغلب دول جنوب أوروبا بعدم تمكنها من تسديد ديونها السيادية.

وارتفاع الدين العام الأوروبي لمستويات قياسية، ففي اليونان بلغ الدين العام 120 بالمئة من الناتج المحلي الخام، وعجز الخزينة حوالي 13 بالمئة منه، هذا ما جعل دول الاتحاد تتخذ تدابير إصلاحية كتأسيس صندوق الإنقاذ المالي الأوروبي EFSF بقدرة إنقاذ تبلغ 590 مليار يورو، ويقوم الصندوق بمنح ضمانات لتغطية الحصول على قروض بنسب فائدة متدنية لفائدة الدول المتضررة، وهذا ما أثار حفيظة الدول التي تتمتع بفائض مالي كألمانيا التي عارض شعبها إجراءات إنقاذ الاقتصاد اليوناني من فوائضهم السيادية.1

التحدي الثاني هو أزمة المهاجرين والتي كانت أحداث الربيع العربي (خاصة في سوريا وليبيا) السبب الرئيسي فيها، فحوالي مليون مهاجر سوري في عام 2015 قاموا بدخول منطقة شنغن، وهذا ما أدى إلى وقوع أزمة دبلوماسية بين دول الاتحاد الأوروبي، بعد محاولة المفوضية الأوروبية فرض حصص على دول الاتحاد للتكفل بالمهاجرين، وهذا ما رفضته العديد من الدول خاصة دول الاتحاد الشرقية والوسطى لعدة أسباب، منها اقتصادية ولكن أكثرها أيديولوجية كما صرح رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان.

والذي أكد أن الطبيعة المسلمة للمهاجرين سوف تؤثر على الهوية المسيحية لأوروبا، وقد كانت هذه الأزمة هي القطرة التي أفاضت الكأس، خاصة بعد تداعياتها الاقتصادية خاصة على ارتفاع مستويات البطالة خاصة لفئة الشباب الأوروبيين، وارتفاع نفقات المهاجرين خاصة بألمانيا والتي قامت بقبول 1.3 مليون مهاجر، ليكلفها ذلك 13.3 مليار يورو.2

إن أوروبا التي باتت بؤرة دولية لتفشي جائحة كورونا أحصت أكثر من 190 ألف إصابة أي حوالي 50.95 بالمئة من مجمل الإصابات العالمية، منها 10.221 حالة وفاة أي بنسبة 5.36 بالمئة من مجمل المصابين، 62.59 بالمئة من حالة الوفيات العالمية، وقد نال الاتحاد الأوروبي حصة الأسد من حالات تفشي الفيروس بـ 88.47 بالمئة من الإصابات، و94.67 بالمئة من حالات الوفيات، في حين أن العديد من الدول التي تفاوض من أجل الانضمام تعاني من انتشار واسع للفيروس وعدم القدرة في التحكم فيه، كحال صربيا ودول البلقان.

والذي أدى بالرئيس الصربي إلى توجيه نداءات الإغاثة لدول العالم، خاصة تلك التي تبزر المؤشرات الأولية على تحكمها بالمرض كدول جنوب شرق آسيا، وكرد فعل على تفشي هذا الفيروس أعلت المفوضية الأوروبية على تنسيقها الدائم مع الدول الأعضاء من أجل العمل على احتواء الفيروس، مع ضرورة توفير القدر الكافي من الوسائل والأجهزة اللازمة لمواجهة الفيروس، مع التحضير لبرنامج استثماري بقيمة 37 مليار يورو من أجل توفير السيولة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومؤسسات الرعاية الصحية، مع تخفيف الأعباء المالية لحماية القدرة الشرائية للمواطن مع احترام قواعد التخطيط للميزانية في الاتحاد الأوروبي، كما قامت بوضع الخطوط العريضة فيما يخص تسيير حدود منطقة شنغن بما يضمن عدم انتشار الفيروس، مع الحد من تنقلات غير الضرورية.

ولكن وحسب الملاحظين، فإن هذه الإجراءات ليست في مستوى الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي حلت بدول الاتحاد الأوروبي، والتي قدرت خسائرها بالترليون دولار الأمريكي مع تسجيل معدلات نمو تقرب من الصفر بالمئة، كحال فرنسا التي سجلت خلال الأسبوع الثالث من مارس معدل نمو يقارب 0.9 بالمئة، وهو الذي أدى بإيطاليا لطلب تكوين صندوق إغاثة خاص بفيروس كورونا، من أجل ضمان الديون اتجاه الدول المتضررة، وهو ما تفرضه ألمانيا.

بالإضافة إلى اتخاذ العديد من الدول لإجراءات حمائية تتنافى مع الأسس والدعائم المكونة للاتحاد الأوروبي، كالغلق الكلي للحدود ابتداء من إسبانيا لحدود البرية، ثم ألمانيا التي أغلقت حدودها مع خمس دول منها 4 دول أعضاء للاتحاد (فرنسا – لوكسمبروغ – الدانمارك – النمسا)، وهو إجراء اتبعته كل من الدانمارك والنمسا (لحدودها مع إيطاليا)، والتشيك وسلوفينيا، في تعارض فاضح مع اتفاقية شنغن.

وترى العديد من القوى الدولية مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية فرصة لتفكيك وتقسيم الاتحاد الأوروبي الذي كان عنصرًا مهمًا عاملًا أساسيًا في في بسط نفوذها على القارة الأوروبية، مثلما قلنا سابقا كروسيا والتي تريد إعادة مشروع الاتحاد السوفياتي وبسط سيطرتها على دول أوروبا الشرقية، أو الولايات المتحدة والصين والتي تريد تفكيك الوحدة الاقتصادية الأوروبية للسيطرة على أسواقها وإضعاف تنافسية شركاتها، بالإضافة إلى عزل دورها في القضايا الدولية من خلال ممثلية الاتحاد للشؤون الخارجية، وتفكيكها إلى دويلات لن يكون لها نفس الدور في التأثير في مسارات القضايا الدولية، بما يخدم مصالح دولها الأعضاء.3

ثالثًا: التداعيات والمخاطر على النظام الدولي: قراءة استشرافية للمستقبل

امام انتشار جائحة وباء الكوفيد-19 ظهر المجتمع الدولي بما فيها الدول الصناعية الكبرى عاجزة عن مواجهته أو التقليل من انتشاره بهذه السرعة المذهلة، ففرض عليها الإغلاق التام وإعلان حالة الطوارئ «الطوعية» وكُلفت الجيوش تنفيذها، كما خُصصت مليارات الدولارات لمعالجة الآثار الناجمة عن الإغلاق. ولكن الجهود جاءت متأخرة، إذ وحدها الصين، مصدر الوباء، تمكنت من احتوائه نتيجة تدابير صارمة اتُّخذت على وجه السرعة وطبقت بإحكام.

رغم أن النموذج الذي اتّبع جاء منسجمًا مع طبيعة النظام الشمولي الذي لا يعير حقوق الإنسان أي اعتبار وتغيب الديمقراطية فيه. في حين أن التجربة التايوانية قد نجحت أيضًا بالحد من انتشار الوباء، وهي الدولة الملاصقة للصين والمهددة بانتقال العدوى إليها قبل غيرها، حيث تمكّنت من تعزيز التدابير الوقائية الصارمة بالتعاون بين القطاع الصحّي ودوائر الهجرة والمواطنين من دون اللجوء إلى القمع وانتهاك حقوق الإنسان.4

الخاتمة

ورغم ذلك تبقى تداعيات جائحة كورونا ضخمة من الناحية التكلفة البشرية والاقتصادية، وربما تؤدي إلى تأسيس نظام الدولي تغيب عنه دول كثيرة بحكم تفككها أو انهيارها أو اندثارها من الخريطة الدولية، ولعل تفكك منظومة الاتحاد الأوروبي وسقوط خرافة الدولة ذات القطيبة الأحادية مع مرور الأيام ستظهر آثار هذه الحالات بعد الانتهاء من جائحة كورونا إضافة إلى تداعيات نظام الأمن المجتمعي خاصة مستوى المعيشي والكرامة الإنسانية.

ما قد يهدّد الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي والتضامني، ما يفرز البحث عن البديل الجديد وهو التركيز إلى آليات التضامن والتآزر الاجتماعي للمساهمة بتجاوز الأزمة والمحافظة على قدرٍ من العدالة بين الشعوب وداخل الدولة الواحدة. وهذا يشمل آليات للتعاون بين القطاعات المختلفة كالهجرة والتربية والتعليم والتطوير الإداري والتقني، وخاصة في مجالات البحث العلمي «من أجل إتاحة الأدوية الأساسية التي تكفل النفاذ العالمي إليها باعتبارها أحد الحقوق».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جائحة, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد