الجائحة التي مست أغلب بلدان العالم في ظرف قصير، لا يتعدى الأربعة أشهر على أكثر تقدير، وبوتيرة سريعة، منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدءًا من سور الصين العظيم الذي كان منطلق الحرب مع الفيروس، وتحديدًا في مدينة أوهان، بؤرة التفشي، والمنطقة الأكثر تضررًا، وصولًا إلى أسوار روما، ثاني بؤر الانتشار، والتي تسجل يوميًا وبنسبة رهيبة غير معهودة، مئات الوفيات، حتى تخطت إحصاءات الوفيات عندها الـ6 آلاف، على غرار جارتيها (ألمانيا، وإسبانيا)، اللتين لا تقلان عنها تضررًا وأذى بالشيء الكثير.

إلى إيران المغيّبة إعلاميًا، والتي تخفي ما هو أسوأ وأدهى مما تظهر!

أثبتت هذه الأخيرة عداوة كبيرة للجنس البشري في كل مناطق العالم بأن اضطرت أغلب الدول وفي سابقة هي الأولى من نوعها، إلى غلق المطارات، وطرق المواصلات، بين مختلف البقاع، وفرض حظر التجول، والإعلان عن إجراءات احترازية جديدة في أكثر من 10 دول عربية، وفي روسيا، تم منع المسنين من الخروج، واضطرت الشعوب التي اجتاحها الفيروس إلى التزام المنازل، والحرص الشديد على تنفيذ توصيات النظافة حرفيًا، وعطلت أغلب المصالح، والمؤسسات الصناعية، والإدارية، والتجارية، في كبرى البلدان الصناعية، ووضعت اقتصاد الدول بين فكي كماشة.

أفرغ البيت العتيق، وأغلقت المساجد، واستبدل بنداء «حي على الصلاة» نداء «صلوا في رحالكم»، وتوقفت أجراس الكنائس.

حتى انسحبت كل مظاهر الحياة من العالم، وهيمن الهدوء والصمت المطبق على كل الأرجاء!

وصارت الفرضيات كثيرة متداخلة، حول المصير المجهول!

لكن كان للطبيعة في الكورونا رأي آخر أكثر إيجابية وامتنانًا!

فهل يعقل ذلك؟

أثبتت صور القمر الصناعي التي قامت بها وكالة ناسا الفضائية انخفاضًا كبيرًا في انبعاثات غاز ثنائي النيتروجين التي تطلقها السيارات والمركبات الصناعية، في أغلب المدن الصينية، في الفترة الممتدة ما بين شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، كما اختفت سحابة الغازات الصناعية، التي كانت تحيط بالمناطق الصناعية.

يقول في ليو، الباحث في وكالة ناسا الأمريكية: «هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها انخفاضًا كبيرًا في الانبعاثات في هذه المنطقة الواسعة».

كما انخفضت في الفترة من 3 فبراير إلى 1 مارس (أذار) انبعاثات ثاني أكسيد الكربون CO2، بنسبة 25٪ على الأقل، بسبب الإجراءات التي تم اتخاذها من أجل احتواء الفيروس، وفقًا لـ«مركز أبحاث الهواء النظيف (CREA)».

إيطاليا هي الأخرى، وعلى الرغم من محنتها الشديدة، إلا أنها كانت مستفيدة من الأثر الإيجابي لهذا الفيروس الفتاك.

إذ خلت أنهار البندقية من السياح، وحركة الزوارق الدائمة، فأصبحت أكثر نظافة، وفقا لتقرير قامت به «قناة فرانس 24» الإنجليزية، وامتلأت بأنواع مختلفة من الطيور المائية التي لم تسمح لها نشاطات الجنس البشري بأن تتواجد هناك من قبل!

نداءات أكدت أن هذه الفترة القصيرة من الهواء النظيف، يجب أن تؤدي بدورها إلى بذل جهود كبيرة من أجل تمديدها.

إذًا فبقدر ما أثبت فيروس كورونا عداوته للإنسان، بقدر ما كان صديقًا جيدًا للبيئة!

هذا الالتماس والبحث في الجانب الإيجابي من فيروس فتاك أدى إلى مقتل الآلاف من البشر، وأعاد الاعتبار إلى الأرجاء الضريرة من البيئة، يقودنا إلى فهم نظرة التوازن التي تفرضها سنن الحياة الكونية، بأن يكون لكل جانب مظلم جانب آخر مشرق، وبأن تحمل كل محنة في طياتها من المنح الكثير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد