منذ بداية أزمة كورونا اهتم العلماء وحتى عامة الناس بإحصائيات الإصابات والوفيات بفيروس كورونا، وتعددت أشكال الرسوم البيانية والمخططات والمعادلات المستخدمة، والهدف من هذا التعدد هو تقريب الصورة الحقيقية لما يحدث في العالم نتيجة جائحة فيروس كورونا، وكلما استخدمت معادلات مختلفة، زادت إمكانية التعرف على جوانب مخفية لهذه الجائحة، ولعل أبرز المصطلحات الإحصائية التي تفيدنا في معرفة حجم هذه الجائحة هو مصطلح الوفيات الزائدة.

فماذا يعني مصطلح «الوفيات الزائدة»، وكيف يتم توظيفه في فهم الوفيات الناتجة عنفيروس كورونا؟

الوفيات الزائدة (excess mortality) هو مصطلح يستخدم في علم الأوبئة والصحة العامة، يشير إلى عدد الوفيات التي تتجاوز المعدلات الطبيعية للوفيات مقارنة بالسنوات السابقة، ويستخدم لقياس أثر وفيات الأزمات عندما لا تكون جميع أسباب الوفيات معروفة.

تعرف منظمة الصحة العالمية «الوفيات الزائدة» بأنها: «معدل الوفيات التي تزيد على ما هو متوقع مقارنة بمعدل الوفيات في أوقات غير الأزمات. وبالتالي فإن الوفيات الزائدة هي الوفيات التي تعزى إلى ظروف الأزمة. يمكن التعبير عنه كنسبة (الفرق بين معدلات الوفيات المرصودة وغير المرتبطة بالأزمات)، أو كعدد إجمالي للوفيات الزائدة ».

لحساب الوفيات الزائدة، نحن بحاجة إلى معرفة عدد الأشخاص الذين نتوقع موتهم لو لم يحدث الوباء. لفعل ذلك، من الشائع مقارنة عدد الوفيات خلال فترة الوباء بمتوسط عدد الوفيات خلال الفترة نفسها في السنوات السابقة.

في غياب الأزمات، غالبًا ما يكون هناك القليل من التباين في عدد الأشخاص الذين يموتون من سنة إلى أخرى. من خلال النظر في أعداد الوفيات في السنوات السابقة، يمكننا أن نفهم خط الأساس لعدد الأشخاص الذين نتوقع موتهم دون تأثير الجائحة.

لنأخذ بعض الأمثلة للتوضيح:

وفقًا لدراسة إيطالية، بلغ عدد الوفيات في البلاد في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 157 ألف وفاة تقريبًا، مقارنة بـ110 آلاف وفاة في الفنرة نفسها في الأعوام السابقة، وبالتالي عند حساب الوفيات الزائدة نجدها 47 ألف وفاة زائدة خلال تلك الفترة.

وكانت الأرقام الإيطالية قد أعلن عن حوالي 28 ألف حالة وفاة بفيروس كورونا بحلول 30 أبريل. وهذا يترك 19 ألف حالة وفاة زائدة غير مبررة لم يعرف مصيرها، ومن هنا تتضح أهمية حساب الوفيات الزائدة، حيث وبالرجوع للمثال الإيطالي نجد أن هناك زيادة حقيقية في أعداد الوفيات في البلاد، إذن قد طرأ مستجد حقيقي نتج منه زيادة في أعداد الوفيات، ليس هذا بحسب، فعند حساب الوفيات الزائدة ومقارنتها بالوفيات المعلنة بسبب فيروس كورونا، نجد أن هناك وفيات زائدة غير مبررة يمكن تفسيرها بالنقاط التالية:

  • تبلغ بعض البلدان عن وفياتفيروس كورونا التي تحدث في المستشفيات فقط، وبالتالي لا يتم تسجيل الأشخاص الذين يموتون بسبب هذا المرض في المنزل.
  • وتبلغ بعض البلدان عن الوفيات التي جرى التأكد فيها بالفحوص المخبرية أن المريض مصاب بالفيروس، وبالتالي لا يجري تضمين الأفراد غير المختبرين.
  • كما أن أنظمة الإبلاغ عن الوفيات غير كافية لقياس الوفيات بدقة، خصوصًا في البلدان الفقيرة.
  • كما قد يؤدي الوباء إلى زيادة الوفيات لأسباب أخرى لعدد من الأسباب، بما في ذلك ضعف أنظمة الرعاية الصحية نتيجة الضغط عليها بسبب فيروس كورونا؛ وبالتالي تقل فرصة المرضى الآخرين في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، وانخفاض تمويل وعلاج الأمراض الأخرى نتيجة تحويل معظم المخصصات المالية للتعامل مع جائحة كورونا.

كما يمكن استخدام حساب الوفيات الزائدة في معرفة قدرة النظام الصحي على التعامل مع الوباء، فكلما اقترب معدل الوفيات الزائدة إلى الصفر، كان الوباء تحت السيطرة، بغض النظر عن أعداد الوفيات بالفيروس، فمثلًا لو أن هناك ألف وفاة بفيروس كورونا في بلد ما أسبوعيًّا، وكان عدد الوفيات الكلي ألفين أسبوعيًّا،وعدد الوفيات في السنوات السابقة ألفين أسبوعيًّا، حينها يكون ناتج حساب الوفيات الزائدة صفرًا؛ مما يعني أن جميع الوفيات مبررة وفي حال عدم وجود الفيروس سيموت الألف شخص الذي ماتوا بالفيروس بأسباب أخرى، مما يعني أن النظام الصحي قادر على التعامل مع هذا الوباء، وأن تأثيره في الوفيات أصبح شبه معدوم.

ماذا يعني أن يشكل معدل وفيات الفيروس نسبة قليلة من الوفيات الزائدة؟

عندما يشكل معدل وفيات الفيروس نسبة قليلة من الوفيات الزائدة، هذا يدل على أن النظام الصحي لم يعد قادرًا على كشف أسباب الوفاة الحقيقية، أو أنه يخفيها متعمدًا، وهذا يظهر في الدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة والدول الديكتاتورية التي لا تعطي أرقامًا حقيقية للوفيات بفيروس كورونا، ففي جاكرتا عاصمة إندونيسيا مثلًا بلغ عدد الوفيات الزائدة في شهري مارس وأبريل 2758 وفاة في حين أن الحكومة وقتها كانت فد أعلنت عن 381 وفاة فقط في الفترة ذاتها بفيروس كورونا، ما يشكل 14% فقط من الوفيات الزائدة، مما يعني أن 86% من الوفيات الزائدة غير مبرر، الأمر الذي يستدعي للدراسة والمراجعة والتحقيق.

ماذا يعني أن يفوق معدل وفيات الفيروس معدل الوفيات الزائدة؟

عندما يفوق معدل وفيات الفيروس معدل الوفيات الزائدة، فهذا يعني أن جزءًا من الوفيات التي تعزى للفيروس هي بالحقيقة وفيات حتمية حتى في غياب الفيروس، فمثلًا في فرنسا وألمانيا وبعد أسابيع من تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، أصبحت نسبة الوفيات الزائدة تقارب الصفر في بداية شهر مايو (أيار) رغم استمرار تسجيل وفيات بفيروس كورونا؛ مما يعني أن الوضع الصحي والوباء أصبح تحت السيطرة.

الأمثلة السابقة تسلط الضوء على أهمية جمع وتحليل بيانات معدل الوفيات الزائدة لتشكل حجر أساس يُبنى عليه التصور الحقيقي للوباء في أي بلد، مما يسهل على العلماء والمسؤولين دراسة الوضع الوبائي، لتحديد الأثر الوبائي في البلد، وموازنة الوضع الصحي والاقتصادي لتدابير الإغلاق العام والتباعد الاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد