مصيبة واحدة تجمع العالم بأسره، إنّه وباء «كورونا» الذي شلّ حركة الأرض وأوقعها في وعكة صحية داخل دوامة الانتشار السريع، الذي يأخذ مجراه كالنار في الهشيم (أكثر من 70 دولة حتى الآن)، للحظة يخيل إليك أنّ الحياة على هذا الكوكب قد شارفت على الانتهاء، ها هي المطارات العالمية تغلق أبوابها، دولٌ كبرى تعلن حالة الطوارئ هلعًا وخوفًا، إغلاق المواقع الثقافية والسياحية الكبرى، تعليق الدراسة في كافة المؤسسات التعليمية، هستيريا لشراء المواد الغذائية، حالة من القلق والملل والتأفف تسود العالم.

إن هذا الكائن الفيروسي الذي لا يرى بالعين المجردة قلب حياتنا رأسًا على عقب، وأصبح حديث الساعة ولغة العالم الواحدة، فالمرعب بالأمر أنّه لا يوجد دراسات كافية لكيفية انتقاله بشكل دقيق، بالإضافة إلى عدم وجود علاج أو مضاد معتمد إلى حدّ الآن، وحالات الوفيات تتزايد حتى الساعة.

أضف على ذلك، تحذير منظمة الصحة العالمية الذي صدر منذ أيام أنّه من «المستحيل» معرفة متى يبلغ الفيروس ذروته على المستوى العالمي؛ لذلك كان لا بدّ من الفرار من هذا العدّو الفتّاك للمحافظة على الحياة، الذي أدّى لجعل الأيام متشابهة، لا شيء سوى حجر صحّي، انتظار، ترقّب، أسئلة تتكرر، ماذا بعد وإلى متى؟!

حقيقةً لا أحد يعلم متى سيتنهي هذا الكابوس، إلى أين سنصل؟ ماذا بعد؟ هل سيفتك بنا جميعًا؟ هل ستنتهي الحياة هل هذا الكوكب؟ هل هذه حقًا النهاية؟ لا نملك من الأسباب إلا سبل الوقاية والاحتياط، لكنّنا نملك اليقين بأنّه لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا وأنّ قدر الله كلّه خير، المشهد الأرضي الحالي يذكرنا بحقيقةٍ واحدة أن لا أمن ولا أمان إلا بالله جلّ وعلا، إليه الملجأ والمنجا سبحانه، فقدت الأسباب إلا إليه!

لكنّ جوابًا واحدًا يعلو فوق كل هذه التساؤلات، جوابًا يقينيًا أنّ الله الخالق العظيم القادر المقتدر سبحانه يمهل ولا يهمل «وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ» ﴿الرعد:13﴾، كل الكون في قبضته، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، فأراد ربنا الرحيم أن يذكرنا بأصلنا وحقيقتنا، وأنّنا في هذا الكون مخلوقات ضعيفة لا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه، كائنٌ لا يرى بالعين يلغي الصلاة بمكة والصلاة في كل بلاد العالم: ها هو مؤذن دُبر كلّ صلاة ينادي «الصلاة في بيوتكم يرحمكم الله»، «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَر» ﴿المدثر:31﴾، هذا المرض المخيف قائمٌ بإذن الله لا عدوى إلا إذا سمح الله، لذلك علاقتك مع الله تعالى، هو من يمسك بزمام الأرض «لايخافنّ العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربّه».

ولنعلم أنّ ما أصابنا فبما كسبت أيدينا، ألم ننحرف عن منهج لله جلّ وعلا؟ ألم نحارب الدّين بطرق مختلفة؟ ألم نتخلى عن شرع الله في حياتنا؟ شغلتنا اللّذات وأخذتنا الدنيا، فنسينا الغاية الأهم غاية وجودنا على هذه الأرض، كم اقترفنا من الذنوب والمعاصي حتى حُرمنا صلاة الجماعة، فلنتعظ ولنصحو، .فلنعد إلى لله عودة التّائبين المتضرعين ولنتخلص من الكرّه والضغينة، من الظلم والحسّد، فلنُّعد الحقّ لأصحابه، كفى بهتانًا وطغيانا، كفى تكبّرًا وتعاظمًا، فيروسة صغيرة فتكت بنا وأهلكتنا! كم قصرنا وكم ابتعدنا عن دورنا الذي أراده الله لنا على هذا الكوكب «خليفته في الأرض».

ولأنّه رحمن الدنيا ورحيمها أراد ربنا أن يردّنا إليه ردًا جميلًا، سبحانه خلقنا ليرحمنا لا ليعذبنا ولو أراد أن يهلكنا فهو عليه هيّن لخسف بنا الأرض واستبدلنا بقوم آخرين «إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» ﴿إبراهيم :19﴾، لكنّه يعلم أن الأرض لم تخل من الصالحين المؤمنين من أوليائه ممن يسعون في الأرض بما يرضيه؛ الله يحبنا جميعًا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنّة عرضها السموات والأرض، لذلك أراد أن نتوب إليه، أن نهرع عند بابه متذلّلين منكسرين منيبين، لاهجين بالدعاء، مكثرين من الصّالحات، تاركين الدنيا لاجئين إليه، مدركين ضعفنا وحاجتنا إليه سبحانه.

إنّ هذه الشدّة هي للرّدة، المصائب سببٌ للعودة إلى الله تعالى، سببٌ في أن نفر إلى الله مستغفرين، سببٌ لوقفة مع الذات، سببٌ لمحاسبة أنفسنا ومراجعة أحوالنا، سببٌ لأن نعيد حسابتنا، توجهاتنا وأولوياتنا: ماذا قدمنا لدّيننا وأمتنا؟! هل نذرنا قلوبنا وأروحنا الله؟! هل نعمل لأجل آخرتنا ليلا ونهارا؟! هل نقيم شرع الله وسنته في حياتنا؟! هل تخلقنا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هل ابتغينا الحلال في أمورنا؟! هل تسارعنا في العمل لقبلتنا الأولى؟! هل تسلّحنا بالعلم النافع ووظفناه لخدمة البشرية كما أمرنا الله؟! هل احترمنا الكبير ورحمنا الصغير؟! هل نحقّ الحقّ وننصر المظلوم ولوّعلى أنفسنا؟! هل تشابهت أقوالنا مع أفعالنا؟! هل خفنا من الله سرًا وجهرًا؟! هل ابتغينا رضى الله من كل أعمالنا؟!، وهل، وهل؟!

إنّ البلاء لا يرفع إلا بعودة صادقة تملؤها التوبة وبنية جديدة للعمل في سبيل الله ورضاه، مهما طالت الأزمة لا بد لها أن تنجلي فهذه سنة الله في الأرض، لكن هنيئًا لمن اتعظ ووعى، هنيئًا لمن عاد لله تائبا، هنيئًا لمن إلتزم بمنهج الله وأوامره وسعى وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأخلص عمله لله وحده ، هنيئًا لمن أدرك حكمة الله في ما جرى «يؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» ﴿البقرة :269﴾.

أسأل الله العليّ العظيم أن يرفع عنا البلاء والوباء وأن يحفظنا جميعًا في أوطاننا، ويعيد الأمن والأمان والسكينة لنفوسنا، ويغفر لنا ماقد سلف وأن يستخدمنا ولا يستبدلنا ويجعلنا من عباده الصالحين المصلحين في الأرض، وما ذلك على الله بعزيز، حمانا الله وإياكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأرض, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد