إن فيروس كورونا يمثل تحدّيًا للأنظمة السياسية حول العالم في كيفية مواجهته، ليس بالقرارات فقط، فتلك القرارات هي موضوعة سلفًا من قِبل منظمة الصحة العالمية، وتطبيقها يحتاج إلى شجاعة من القيادات السياسية، ودقة في اختيار التوقيت المناسب لاتخاذ القرار، فلا يُتَّخذ قبل أوانه، فيحدث هلعًا بين الناس، ويسبب خسائر مادية بدون فائدة، ولا يتخذ بعد أوانه، فيكون بلا فائدة تُذكر في مواجهة الفيروس، ولكن التحدي الأكبر أمام تلك الأنظمة، وما سيكشف مقدار قوة كل نظام سياسي، هو تنفيذ تلك القرارات على أرض الواقع بشكل مثالي، والمنوط به تنفيذ تلك القرارات في الأساس هي الإدارات المحلية، أو البلديات.

إن الإدارات المحلية هي التي يقع على عاتقها العبء الأكبر في مواجهة ذلك الفيروس، الذي يحتاج إلى حشد قُوَى بشرية منظمة لمواجهته، ولتنفيذ التدابير والإجراءات الملائمة للوقاية منه، والحد من انتشاره والتصدي له.

فأول واجبات الإدارة المحلية في مواجهة هذا الفيروس، هو التأكد من إجراءات الوقاية، والحد من انتشار الفيروس، تلك الإجراءات التي يجب أن تضعها وزارة الصحة، وتوضح فيها بشكل جلي الإجراءات التي يجب أن تتبعها كل منشأة اقتصادية؛ شركة، أو مصنع، أو محل، للحد من انتشار الفيروس بين العاملين فيها، أو المتعاملين معها، ويجب أن تكون تلك الإجراءات مخصصة على حسب طبيعة عمل كل منشأة، مَن يتعامل مع الجمهور منهم، ومن لا يتعامل، من يقدم خدمات غذائية، مثل محلات البقالة، والخضراوات، والفاكهة، والمخابز، والمطاعم، ومن تجري بينه وبين الجماهير معاملات ورقية مثل البريد، والبنوك، والسجلات المدنية… إلخ. فيجب أن تراعِي الإجراءات طبيعة عمل كل منشأة، وبعد أن تعلن تلك الإجراءات، تقوم الإدارة المحلية بالدور الأكبر؛ وهو الرقابة على كل المنشآت لضمان تنفيذ تلك الإجراءات بكل صرامة، وتوقيع عقوبات تصل إلى إغلاق المنشأة التي تخالف تلك الإجراءات.

كما يشمل عمل الإدارة المحلية إصدار تراخيص صحية لكل العاملين في مجال الأغذية، وأن يتم تعليق هذا الترخيص على صدورهم، وأي شخص يتعامل مع الجمهور في مجال الغذاء، لا يعلق تلك الرخصة الصحية، يتم معاقبته ومعاقبة المنشأة التي يعمل بها، وحاملو هذا الترخيص يجب أن يخضعوا لفحص دوري، للكشف عن الإصابة بالفيروس، كما تتم الرقابة على طريقة تعاملهم مع السلع الغذائية التي يبيعونها للمواطنين، وكيف يتم تصنيعها وتعبئتها وتقطيعها بالوسائل التي تكفل منع نقل العدوى إلى المستهلكين.

كما يجب إجراء عمليات تعقيم مستمرة لكل الأماكن، التي يحدث فيها تجمعات للمواطنين، مثل دور العبادة، ووسائل النقل، والأسواق، والمحال التجارية. وتتم عمليات التعقيم تلك بشكل دوري منتظم محدد ومعروف للجميع، وتتم بواسطة جهاز الإدارة المحلية، أو تحت رقابته، فتكون المرافق العامة ودور العبادة مسؤولية التعقيم فيها على الإدارات المحلية نفسها، ويكون التعقيم في المحال التجارية، والشركات، والمصانع الخاصة مسؤولية أصحابها، على أن يتم ذلك وفقًا لنفس المعايير الموضوعة من قِبَل الدولة، وتحت إشراف الإدارة المحلية، التي تراقب على دورية التعقيم، وعلى نوعية المواد المستخدمة فيه.

كما تخضع الأدوية وأدوات التعقيم إلى رقابة الإدارة المحلية، لضمان عدم الغش فيها، أو إخفائها، أو رفع أسعارها، وتصبح لديها الصلاحية لمصادرة كل ما يتم رفع سعره، أو إخفاؤه، وبيعه بواسطة الإدارة المحلية نفسها، مع توقيع غرامة على المحتكر.

كما يجب أن تستعد الإدارات المحلية للسيناريو الأسوأ، وهو انتشار المرض، وعجز المستشفيات عن استقبال كل المرضى؛ فيتم تخصيص عدد من المدارس في كل حي أو قرية، لتحويلها إلى مستشفيات إذا لزم الأمر، وتجهيزها لذلك بالأدوية والمعدات الطبية والأَسِرَّة، وفتح باب التطوع في كل حي وقرية وتدريب المتطوعين على أعمال التمريض من الآن، ليتم الاستعانة بهم في معالجة المرضى، إذا عجزت المستشفيات عن استقبال كل الحالات، وانتقت حالات معينة، وتركت الباقي، وهو إجراء متبع في زمن الأوبئة، حين تتفشى بشكل يخرج عن السيطرة.

إن انتشار فيروس كورونا، هو اختبار لقوة الإدارات المحلية، وهو دليل على أهمية هذا الفرع الهام من فروع السلطة التنفيذية، الذي أهملناه في مصر حتى أصبح عبئًا على الدولة، وليس معِينًا لها، وآن الأوان في ظل تلك الأزمة للتفكير جديًّا في كيفية إعادة الحيوية لهذه الإدارات، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا أخضعناها لرقابة الشعب عن طريق تفعيل آلية الانتخاب في اختيار قيادتها، فعندما تعلم القيادات المحلية أن استمرارها في السلطة مرهون بتقديم أفضل خدمة للمواطن، الذي انتخبها، ويستطيع أن يعيدَ انتخابها من جديد، أو يعزلها؛ ستتنافس من أجل خدمة المواطنين، وستبدع في تقديم أفضل الخدمات لهم.

الإدارة المحلية هي وحدها، التي تستطيع أن تُحَوِّل القرارات، من كلمات على أوراق تحمل ختم النسر، إلى إجراءات على الأرض تنقذ حياة الملايين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد