لست متخصصًا في طب ولا علم بيولوجي، ولا عالمًا وعارفًا بالفيروسات أو الأوبئة، وليس ذا موضوع المقال، رغم أني أقف من هذه العاصفة الوبائية وقفة تأمل، فأجد أن هذا الفيروس لا يمكن البتة أن يكون صدفة، ولي أسباب في ذلك لا مجال للخوض فيها.

جاء فيروس كورونا وأماط اللثام على مجموعة من الأمور في كافة المجالات المختلفة، خاصة فيما هو اجتماعي يرتبط بأفراد المجتمع، ومنها ما يلازم الاقتصاد، والسياسة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، ولا أخفيكم أن العالم إن هو تجاوز هذه المحنة ستتغير معالمه. فالأزمة بدأت بوادرها في الاتحاد الأوروبي الذي يبين شكلًا أنه كتلة محصنة ووحدة متينة، لكن أول محطات أزمته ظهر منذ أعلنت المملكة المتحدة نيتها الانسحاب من الاتحاد الأوربي فيما عرف ب:«بريكست».

ثم جاء وباء كورونا لتتضح هشاشة الاتحاد داخليًا بعدما تفشى الوباء في إيطاليا خصوصًا، أدى إلى كثرة الوفيات والمصابين وتزايدها بشكل يومي مهول، لم تتحرك معه الدول الأعضاء، بل كل أقفل على نفسه، ما جعل دولًا خارج أوروبا تسرع بالإمدادات حتى لا تهوي الدولة، فجاءت مساعدات طبية من الصين، وأطباء من كوبا، ولعل الاستثناء الأوروبي كان من روسيا فقط، بل إن هذه الدول تحتلف أنظمتها الإيديولوجية عن سائر دول الاتحاد، وهذا يبين أن الإنسانية وليدة الاشتراكية، أدى هذا بمعظم الشعب الإيطالي إلى نزع علم الاتحاد الأوروبي ليغيره بالعلم الصيني أو الكوبي. إذن هل ستغير إيطاليا سياستها بعد الأزمة؟ وأي مصير ينتظر الاتحاد الأوروبي بعدما تزعزع استقراره؟

وإذا نحن انتقلنا إلى المغرب في ظل الجائحة الوبائية – مع العمل طبعا بمقولة: داخل كل قاعدة استثناء – يتضح جليًا أن المغاربة كالجسد الواحد حقًّا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولهذا وجدتهم لحمة واحدة في هذا المصاب، وقد ظهر من خلال نقطتين:

أولاهما الانصياع التام لأوامر مؤسسات النظام فيما يخص الحجر الصحي، وحالة الطوارئ، بل إن بعضهم عمل بذلك قبل أن تفرضه الحكومة؛ لئلا تدخل الدولة في نفق مظلم. والثانية تكمن في لحظة فرض حالة الطوارئ، وإغلاق المقاهي والمطاعم…، انقطعت سبل العيش لدى فئة كبيرة من المجتمع، ما جعل المغاربة يعملون بالمثل القائل: «الجار ما بيستغني عن الجار حتى لو ببصة نار»، فتوافدت عليهم العطايا من كل صوب، ما يبرز حقيقة البينان المرصوص للشعب المغربي، ومظاهر الأخوة والتكافل الاجتماعي في أبهى صوره. وهذا يأخذنا مباشرة للحديث عن المغرب ما بعد كورونا.

إن الدولة أبانت عن حس تواصلي كبير مع شعبها، ذلك أنها خاطبت عقولهم قبل قلوبهم وعواطفهم، فعملت الوزارات بشكل مكثف، وكان الإعلام سلطة في التوعية والتحسيس، لا ننكر هذه الجهود حقًّا، لكن لا بد من التفكير فيما بعد الجائحة.

إن مجرد التفكير في النهضة مع إقصاء الإنسان لن تستكمل أطرافها، فالإنسان هو البناء المتين لكل نهضة، وإن أثمن رأسمال هو الرأسمال البشري، وهذا ما يجب أن يعلمه النظام المغربي، بل إنه يعلم ذلك، لكن السياسات الفاشلة أصابت ما حولها بالفشل والتضعضع.

هنا ينتقل بنا الحديث إلى عمودي النهضة وهما: الصحة والتعليم. إن الدولة لم تفرض الحجر الصحي وحالة الطوارئ حبًّا في سواد أعين الشعب، وربما هذا سبب، لكن السبب الثاني علمها بأن بنياتها الصحية مهترئة، ولعلها خطوة حكيمة منها حتى لا تكون هناك أزمة كورونية مميتة.

اليوم لا نطلب من الدولة سوى العمل الدؤوب على شل حركة هذا الوباء، إلى جانب جهود الشعب المغربي، إلا أنه بعد الجائحة لا بد من تغيير جذري، وأول ما يجب الالتفات له مقترح النائب البرلماني بلافريج، ضخ دماء جديدة في ميزانية التعليم والصحة، لأن العالم اليوم نظامًا وشعوبًا أدركوا أن الطب والتعليم والرأسمال البشري الأساس الذي تُبنى عليه الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دروس كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد