ما زلت أحتفظ بعنوان غابرييل غارسيا ماركيز في مقالاتي التي تعيش نوعا من التمرد هذه الأيام حالها حال الطبيعة التي تمردت على الإنسان بأعنف كارثة وبائية شاهدها العالم. صحيح أن كوارث حدثت قبل زمن الكورونا إلا أن عوامل ساهمت في جعل هذا الأخير شبحا يحصد أرواح بني البشر في جميع أقطار العالم.

تطور المواصلات البحرية والجوية وسرعة التنقل بين البلدان والاختلاط الثقافي المهول بين الشعوب ناهيك عن التجارة العالمية وعوامل أخرى، كنا نحسبها تخدم مصالح التقدم البشري ومضيه قدما نحو أفق أو آفاق مبهرة دون أي تأثير كل تلك البطاقات التي راهنا على أنها حليفنا في تحقيق النصر، في مسيرة البقاء الأبدي تخوننا اليوم.

فرط الانتباه إلى المستقبل جعلنا نؤمن بالقدسية الإنسانية، وأننا قد قاربنا نوعا ما ضبط زمام الكون والتحكم في تصرفاته العشوائية والمنضبطة، وأن الطبيعة مهما علت لن تستطيع وقف جموح هذا الكائن الذي اخترق الفضاء واستنسخ النبات وهجن الحيوان، وكلما حاولت الطبيعة الدفاع عن نفسها بلطف جابهها بالاستباق وجعل الأمر مجرد خدش لا يلقي له بالًا.

الآن أعزائي القراء أناشدكم لنقف ولو للحظة، لهنيهة إن صح التعبير لتأمل هذا المشهد الاستثانئ لنضحك سويا على مفاهيم التطور، التكنولوجيا، البيوإلكترونيك، الحرية، الحقوق، القوى العظمى … والقائمة يطول بنا سردها إن فعلنا، لنقف وقفة مستيقظ من أجل التأمل في ضعفنا وهزال الكبرياء الذي ظللنا نجاب ونصفع به تواضع الطبيعة الأم. الكون لم يقف ليرى ما حدث للإنسانية اليوم كما كنا نفعل نحن حينما نخترق الجو وندمر البيئة على وقع التصفيق أو حين نتحدى القوانين التي فطر عليها الكون من خالقه. إن الكابوس الذي ارتطمنا به اليوم وسيستمر معنا لشهور أو سنوات هو درس في غاية الجمال محزن لأن به رحيل الكثير من بني جنسنا لكن أثره سيبقى معنا خلال القرون المقبلة. درس قد يغير ملامح جيل بأسره من يدري ربما كنا نتجه نحو وضع نهاية لنا دون أن نشعر فقررت القدرة الخفية في الكون إعادتنا إلى المسار الصحيح عدد لا يحصى من الأسئلة التي قد تطرح متى وكيف ولم؟ والحقائق متنوعة بدورها لكن هناك حقيقة واحدة لا يجب أن يغفل عنها أي كائن بشري أننا معرضون في أي لحظة للإنقراض بلغة البيولوجيا والتاريخ.

إن الوضع الراهن يتطلب منا اليقظة والبصيرة وضخ ما يمكن ضخه من الأدرينالين عبر السيالات العصبية ليس لشيء غير تدوين الأخطاء التي ارتكبناها بقصد أو بغير قصد لكي لا نقع فيها من جديد، أن نخبر الأجيال القادمة بالحزم وتسخير كل الإمكانيات لنشر الوعي والعلم أن نعترف بالعلماء ونهتم بالأطباء ألا يستهوينا العمران وننسى تشيد الإنسان، فأزمة الحاضر أزمة مبادئ أزمة نكران الذات وطغيان الأنا على الغير…كلنا شهدنا ما حدث ولا أود اجترار الألم معكم في سرده من جديد فلابأس إن اكتفيت بالإشارة. فإن هي مضت مرور الكرام ولم تغير البشرية منهج الحياة وطغى من جديد عالم الرأسمالية المتوحشة والأنا الأعلى على حساب الطبيعة وروح الكون، اقرؤوا علينا سلام الوداع ليس إيمانا منا بالخلود وأعرف الإيمان يفرض علينا عدم الاعتقاد بذلك ولكن أملا في أن نحيا حياة طيبة كما يرضاها لنا خالق الإيمان بنفسه.

في الأخير أدعو الجميع إلى ممارسة التأمل فهي عبادة الصمت كما وصفها فريد الأنصاري المغربي، واسألوا الله أن يلطف في قضائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد