بصائر في البلاء

«كورونا» في مرمى الشريعة 

يعيش العالمُ اليوم واقعًا فريد الحدوث، نادر التكرار، غريب الطور، الكل يترقب ويفكر في مصيره، في واقع يعيش الناس معه أحلك لحظات حياتهم فلا يستطيع الإنسان أن يهدأ له بال، ويستقر له جفن من عظمة الوباء الذي دق ناقوس الخطر، وأخذ يسلب الأرواح، ويبث الرعب في النفوس؛ مما يجعل الإنسان في حيرة من أمره.

والمسلم ينظر للأمور نظرة عقدية، حتى إذا نزل به نازلة وضعها في إطار التصور الإسلامي الصحيح ليعرف مبتداها (النازلة) ومنتهاها، وما يجوز في التعامل معها وما لا يجوز، ومن ينحي الشريعة جانبًا، ويظن أن التعاطي مع النوازل والبلايا بالعقل البشري كاف فهو واهم، بل عليه أن يُعيد النظر تارة أخرى في طريقة تلقيه للدين.

وقد وسًعت الشريعة جوانبها لتتلقى كل أنواع البلايا وتضاعيف الحياة، فلا تجد حادثًا مُستجدًا مطلقًا، بل حوادث تتكرر فلا تختلف هذه النازلة عن أختها إلا في اسمها، وإلا لماذا ضرب الله لنا الأمثال، وأمرنا بالتفكر فيها، والتأمل في مقاصدها، «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، حتى يدرك المسلم أن له في التاريخ مثالًا وفي الشريعة منهجًا للتعامل.

من هذا المنطلق يفكر المسلم في البلاء الذي عصف بالبشرية فيروس «كورونا» وهو مؤمن تمامًا أن الإنسان هو أصل كل بلاء «قل هو من عند أنفسكم»، قاعدة ربانية وقانون عقدي وسنة كونية، إلا أن الإنسان طالما يتنكر منها، والمدقق لحال الناس الآن لا يجد سببًا منطقيًا لهذا البلاء إلا باستشراف الظلم وانتهاك الحرمات وتخاذل المصلحون وغلبة الفاسقون، فلا تجد بقعة في الأرض إلا والظلم يلجم لسان الحق فيدمغه.

إن إغلاق المساجد وفي مقدمتها بيت الله الحرام، ومنع الناس من قضاء معيشتهم كما اعتادوا، وتفشي المرض وخروجه عن السيطرة، لا يمكن تفسير كل هذا وغيرة إلا أنه إنذار شديد إن لم يكن عقابًا أليمًا، ولما أنزل الله عذابه على قوم لوط كان عذابه مستحقًا لفعلهم القبيح، إن الأمر المثير للخوف هو قوله تعالى «وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ» فلا يظن أحد أن عذاب الله قد انقطع عن أهل الأرض.

قيمة الإنسان في النظام العالمي

أثبت هذا البلاء أن الإنسان لا قيمة له في ظل الظام الرأسمالي حتى وإن تظاهر الثاني بغير ذلك، فقيمة الإنسان في ضمان بقائة حيًا يعمل وفق معايير هذا النظام ويستهلك ما يقدمه ويدخر القدر الذي يحدده، وأن أي بلاء يهدد العالم يُسارع النظام العالمي بالتدخل والسيطرة عليه، ليس من أجل الحفاظ على الإنسان، وإنما لضمان استقرار المعادلة المادية وتدفق الثروات والسيطرة على الشعوب.

وإلا فلماذا لا يتدخل هذا النظام بما يملك من أداوت للحد من الملايين ضحايا التدخين والمواد الكحولية، والتي تمثل رافدًا كبيرًا في الميزانيات العالمية؟ ولماذا لا يتدخل النظام العالمي للحد من قتلى الحروب، والتي تدر عليه المليارات من تجارة السلاح؟ ولماذا لا يضع حلًا جذريًا للمشاكل البيئية والتي تدمر حياة الإنسان؟

لقد أقلق فيروس «كورونا» مضاجع النظام العالمي؛ لأنه سبًب خسائر فادحة للشركات الرأسمالية إحدى مكونات هذا النظام، وبالتالي ينتفض العالم كله للحفاظ على استقرار تلك الشركات، ولا قيمة حقيقية للإنسان، اللهم إلا ادعاءً باطلًا بذلك.

فقه إدارة الأزمات

على الرغم من كون الصين مصدر الوباء وهي دولة قمعية بامتياز، وكذلك الإخفاق الشديد والتراخي في التعامل مع الأزمة في نشأتها، إلا أنه تجب الإشارة الى إستراتيجية تعاملها في احتوائها والسيطرة النسبية عليها، ولذلك أكتفي بتسليط الضوء على منهج الصين في التعامل مع الأزمة.

من أبجديات مفهوم إدارة الأزمات هو وضع التصور الصحيح للأزمة قبل البدء في حلها، ولذلك تعتبر القاعدة الفقهية (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) أهم قواعد علم أصول الفقه فلا يمكن بحال الحكم على شيء بلا تصور واضح عنه، وانطلاقًا من هذه الفرضية تجلت الصين الدولة المُصدرة للفيروس في وضع تصور علمي عن ماهية الفيروس وتكوينه ومدى خطورته وكيفية التصدي له، أجرى الباحثون في جامعة فودان الصينية تحليلًا يوضح التسلسل الجيني للفيرورس، وهي خطوة أساسية لفهم خصائص الوباء، وعلى إثر ذلك تحركت الحكومة الصينية ووضعت خطة إدارة الأزمة بناء على هذا التصور العلمي.

عامل الوقت هو الرقم الصعب في فك شفرة الأزمات، وكلما أحسن الإنسان استغلال الوقت لصالحة كلما كان متقدمًا خطوات عن خصمه، ولذلك اتخذت الصين إجراءات سريعة واحترازية لمواجهة الفيروس، مثل المسارعة إلى إغلاق المطاعم البحرية، والأسواق، والعزل التام لمصدر الوباء، وإلغاء أية مناسبات من شأنها تجمع الناس، وتعليق الطيران الداخلي والخارجي، ثم سرعة إنشاء المستشفيات في وقت وجيز.

ولا شك أن التدخل التكنولوجي في هذه المعركة كان ولم يزل له دور واضح في مجابهة الفيروس، فالصين الدولة التي تكتظ بملايين البشر استطاعت نسبيًا تثبيت أقدامها أمام الوباء باستخدام عشرات الآلآف من كاميرت المراقبة ذات التقنية العالية، والتي تكشف المصابين باستخدام الأشعة الفوق بنفسيجية وصولًا إلى استخدام «الربورت» في التعامل مع المرضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بلاء كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد