هَّل على العالم دون سابق إنذار أواخر عام 2019، من مدينة ووهان الصينية، فيروسًا مستجدًا، لم تتشرف البشرية بمعرفته سابقًا، ولأنه يسبب متلازمة – أي مجموعة أمراض – تنفسية حادة، فقد أعطاه العالم اسم سارس-كوف 2 تيمنًا ربما بأخيه الأكبر، سارس-كوف 1، الفيروس الذي نشأ أيضًا بنفس الطريقة المريبة بالصين أواخر عام 2002، وأصاب وقتها 8096 شخص بجميع أنحاء العالم، توفى منهم 774 إنسان فقط لا غير، ثم انتهت قصته للأبد، أو هكذا كنا نظن. إلى أن حانت ساعة الصفر بقدوم هذا الفيروس الجديد، الذي أصاب حتى تاريخه 116 مليون شخص، توفى منهم حوالي 2.57 مليون إنسان. عدد هائل دون شك.

لن نكرر في هذا المقال ما يسميه البعض نظريات مؤامرة ويسميه البعض الآخر نظريات علمية، متعلقة بحقيقة نشأة فيروس كورونا، لكن وجب التعليق على خبر تناولته وكالات الأنباء قبل أسابيع قليلة، عن انتهاء مهمة عمل بعثة منظمة الصحة العالمية، إلى مدينة ووهان الصينية، والمخولة بالتحقيق بملابسات نشأة هذا الفيروس، والذي لم نعرف حتى الآن تحديدًا وبالدليل القاطع، من أين جاء، وكيف نشأ، وكيف تخطى الخط الأحمر المحدد له من قبل الخالق جل وعلا؛ بإصابة البشر بالمرض بدلًا من الخفافيش، عائله الطبيعي.

ولغير المتخصصين بعلم الفيروسات، ينبغي الإشارة وباختصار إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق مسببات مرض لكل نوع من الكائنات الحية، ولا يحق لها بأي حال من الأحوال تجاوز الكائن المسموح بغزوه، نظرًا لتنوع أساليب غزو مسبب المرض وفقًا للضحية «العائل»، واختلاف طرق مناعة العائل حسب مسبب المرض. وتمامًا كما خلق الله الماء العذب والماء المالح بينهما برزخ لا يبغيان، خلق أيضًا موانع تمنع حرية انتقال فيروسات البشر مثلًا، للنبات والعكس، بل أن معظم الفيروسات لا يُسمح لها بتجاوز نوع الخلية العائلة لها، حتى في نفس الكائن؛ ففيروسات الجهاز الهضمي لا تصيب الجهاز العصبي، وهكذا.

ولكي يتجاوز الفيروس هذا المانع الرباني ويتحول – بما أننا نتكلم عن فيروس كورونا – من مهاجمة الخفافيش لمهاجمة الإنسان، يجب أن يحدث شيئان لا ثالث لهما، إما أن يتحور الفيروس تلقائيًا عن طريق طفرة وراثية طبيعية، وتحديدًا بالأشواك على سطحه، وهي الجزء المسؤول عن تَعرُّفه بعائله، فيفشل الفيروس بالتعرف على عائله الطبيعي المخصص له، ويتعرف بدلًا من ذلك على عائل جديد، فاتحًا الطريق لغزو خلاياه ومتخطيًا بذلك لأول مرة هذا البرزخ الإلهي. هذا هو السيناريو الأكثر تداولًا بين مشاهير المؤسسات العلمية والبحثية الدولية، وتحارب الصين من أجل ترسيخ هذا الاحتمال.

وإما، وهو السيناريو الثاني، أن يتم إحداث تلك الطفرة الوراثية بفعل فاعل، أي بمساعدة بشرية، سواء بواسطة الهندسة الوراثية، أو عوامل كيميائية أو فيزيائية متعددة، وهي تقنيات متاحة لأي باحث اجتاز تدريبًا أساسيًا في التقنية الحيوية، ويمتلك معملًا به تجهيزات خاصة يعرفها أي خبير بعلم الفيروسات. هنا يتم صنع فيروس جديد تمامًا على البشرية، لأنه يمتلك من خواص الفيروس الأصلي الخاص بالخفافيش، التسبب بالأمراض التنفسية، لكنه يحظى ولأول مرة بأشواك جديدة، تمكنه من مهاجمة وإصابة الخلايا البشرية. هذا الاحتمال يتداوله بعض العلماء والباحثين، منهم من كان على صلة قريبة بالمشهد الصيني، وغادروا الصين هربًا من القمع والتهديد، ومنهم أيضًا علماء مستقلين كثر، منتشرين بشتى أنحاء العالم.

على العموم، تفرض الأمانة والنزاهة العلمية، إبقاء كل الاحتمالات مفتوحة وقابلة للنفي أو التأكيد. حتى يتم إثبات مصدر ونشأة هذا الفيروس بالدليل العلمي القاطع؛ أهي نشأة طبيعية دون تدخل بشري، أم نشأة معملية بفعل فاعل، وهذا ما لم يتم قطعًا وبإجماع الآراء حتى يوم الناس هذا.

بالعودة للخبر الذي تناول عمل هذه البعثة، فقد عرف العالم إثر انتقاد بعض أعضاء فريق التحقيق للصين في العلن، عدم تعاونها بشكل وثيق وإخفائها لبيانات هامة، خاصًة تلك المتعلقة بالأيام الأولى للجائحة، لأن تلك البيانات مفصلية لتتبع أثر الفيروس، وإلقاء مزيدًا من الضوء على نشأته. لكن ومع هذا الإخفاء المتعمد للبيانات اللازمة للبت الموضوعي بنظريات نشأة الفيروس، قررت لجنة منظمة الصحة العالمية في مؤتمر صحفي مشترك مع المسؤولين الصينيين أن السيناريو الأول هو التفسير الوحيد المنطقي، واستبعدت تمامًا السيناريو الثاني، ممثلًا في فكرة خروج هذا الفيروس من معمل ووهان لأبحاث الفيروسات، حتى كحادث عرضي، وليس بالضرورة عملًا عمديًا، والذي يجب أن يكون محتملًا أيضًا.

هناك بالطبع قرائن تشير لاحتمال نشأة الفيروس معمليًا، منها تفصيلات علمية قد لا يتسع المجال لذكرها، ولمن يريد التعمق أكثر، يوجد العديد من المصادر المتاحة على شبكة الإنترنت. أما خروجه وتفشيه خارج المعمل، فلا دليل بالطبع إن كان ذلك حادثًا أم فعلًا عمديًا أريد به تحقيق شيء ما، لا تعرفه البشرية بعد، وإن كان هناك أيضًا تخمينات لا داعي لذكرها هنا لضيق المساحة. لكن السؤال المهم هو لماذا تصر لجنة تحقيق المنظمة العالمية للصحة على سيناريو واحد غير مثبت علميًا حتى الآن، وهو أن هذا الفيروس ذو نشأة طبيعية، ولا تدخل بشري مطلقًا في تطور ونشأة وتفشي الفيروس.

الإجابة على هذا السؤال جاءت على لسان عدد كبير من العلماء والباحثين، الذين وقعوا هذا الأسبوع خطابًا مفتوحًا موجه للمجتمع الدولي، يطالبون فيه بإجراء تحقيق دولي مستقل يبحث وبموضوعية مطلقة في نشأة فيروس كورونا، ويَدْعون فيه الرأي العام العالمي لعدم إعطاء أي قيمة لتقرير لجنة التحقيق الأخيرة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، والمزمع إصداره خلال الأسابيع القادمة، وذلك للأسباب التالية: أولًا، قرار تحديد مهام اللجنة لا يتكلم إلا عن احتمال نشأة الفيروس الطبيعية فقط، رغم أن اللجنة مشكلة بالأساس لمعرفة نشأته المجهولة، مما ينسف جدوى هذا التحقيق المغلف بأحكام، إن لم يكن بقناعات مسبقة، ثانيًا، لم يشمل فريق التحقيق أي خبراء متخصصين بالهندسة الوراثية، بل فقط متخصصين بالصحة العامة وخبراء في التحولات الطبيعية للفيروس، وبهذا يبدو أن تشكيل اللجنة مصمم أيضًا لإثبات نشأة الفيروس الطبيعية فقط، ثالثًا، نصف أعضاء تلك اللجنة من المواطنين الصينيين، والذين يُشتبه في عدم حيادهم إزاء النظر في جميع الاحتمالات لنشأة الفيروس، والتي يضر بعضها بسمعة الحكومة الصينية.

رابعًا، اشترطت الصين المشارَكة في اختيار الأعضاء الدوليين للجنة التحقيق، وتم بالفعل رصد عضو باللجنة يحمل الجنسية الإنجليزية له سجل طويل يمتد حتى الآن، في العمل المشترك مع جهات بحثية وحكومية صينية، وكان دائمًا شديد الدفاع عن نظرية نشأة كورونا الطبيعية، واصفًا أي رأي علمي مناقض له بنظرية مؤامرة، خامسًا، ينص الاتفاق المبرم بين الصين ومنظمة الصحة العالمية، أن تكون جميع تقارير اللجنة المزمع صياغتها، مبنية على بيانات صادرة فقط عن حكومة الصين، وليس استنادًا لأي مصدر معلومات آخر، سادسًا وأخيرًا، ألزمت الصين منظمة الصحة العالمية بألا يصدر أي تقرير عن اللجنة دون موافقة جميع الأطراف، الدوليين والصينيين على مضمونه.

وبهذا يرى هؤلاء العلماء والخبراء أن تقرير لجنة التحقيق المشتركة بين الصين ومنظمة الصحة العالمية فَقَدَ مصداقيته حتى قبل أن يَصدُر، نظرًا للأحكام المسبقة، وعدم الحيادية، وعدم وجود الخبرة العلمية الكافية لدراسة جميع الاحتمالات، وتضارب المصالح لبعض أعضاء اللجنة، وإخفاء الصين لأهم المعلومات المتعلقة بالأيام الأولى لتفشي الجائحة. لكن يبدو أن هناك تيارًا سائدًا لا يريد للحقيقة أن تنجلي، وهذا يتضح أيضًا من التعتيم الشديد بمعظم الدوريات والمجلات العلمية المرموقة لأي نظرية تخالف الرأي السائد بنشأة الفيروس الطبيعية، وكما اتضح من إصرار مدير لجنة التحقيق، حتى بعد انتهاء عمل اللجنة بمدينة ووهان الصينية، والمشوب بالكثير من علامات الاستفهام، على الرأي السائد الذي يستبعد تمامًا نظرية نشأة الفيروس المعملية،

لكن في النهاية، لنفترض جدلًا أن هذه اللجنة أو أي لجنة أخرى جديدة، وَثَّقَت نشأة فيروس كورونا معمليًا، ماذا بعد؟ هل تقدر أي قوة على الأرض أن تعاقب الصين؟ هل يمكن فرض عقوبات اقتصادية أو تجارية فعالة ضد الصين، كما فعل العالم مثلًا ضد العراق في تسعينات القرن الماضي متسببًا بمقتل نصف مليون طفل؟ هل تجرؤ روسيا أو أمريكا أو الناتو القيام بضربة عسكرية لمعمل ووهان للفيروسات، المشتبه في ضلوعه بأنشطة بحثية مريبة، كما دَكَّ التحالف الدولي كل العراق، وأرجعه لقرون مضت، فقط لمجرد الاشتباه الكاذب بأنشطته النووية؟ هل يمكن للعالم أن يطالب الصين بتعويضات مالية عن الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة التي لحقت به جراء هذه الجائحة، ويجبرها أيضًا على دفعها، كما أُرغمت ليبيا على دفع المليارات لضحايا طائرة لوكربي الشهيرة، بالرغم مما سمعناه أخيرًا بإعادة محاكمة عبد الباسط المقرحي المدان الوحيد بقضية التفجير، والذي توفاه الله قبل تسع سنوات، بسبب أخطاء قضائية شابت عدالة المحاكمة الأولى؟

الإجابة، بالطبع لا، بل وأعتقد أننا في ظل هذا النظام العالمي المختل، والذي لا يستأسد إلا على الصغار، لن نعرف أصلًا مصدر فيروس سارس كوف-2 ونشأته الحقيقية، تمامًا كما لم نعرف قطعيًا وحتى اليوم، نشأة الأخ الأكبر سارس كوف-1 الذي انتشر قبل حوالي 18 عامًا، وكما لم يعرف الرأي العام العالمي حتى الآن من قتل جون كينيدي أو الأميرة ديانا، وكما لم تعرف ماليزيا مصير طائرتها التي كانت متجهة للصين قبل سبع سنوات حاملًة 239 إنسان، لم يظهر لهم ولا للطائرة ولا للصندوق الأسود أي أثر منذ سقوطها وحتى يومنا هذا. ربما لأن الذي يقف خلف جميع تلك الحوادث من الكبار.

وسيظل الاهتمام الأكبر مرتكزًا فقط حول ترويج التيار العلمي السائد لنظرية نشأة فيروس كورونا الطبيعية دون أي دليل علمي قاطع، وبث الرعب من طفراته الوراثية المتلاحقة، وعدد من أصيبوا به، وعدد من فقدوا حياتهم أو عقولهم بسببه، وتأثير لقاحاته، ومكاسب الرابحين وخسائر البائسين المليارية جراء الجائحة، والسجال الدائم حول مخاطر الفتح وجدوى الإغلاق التام للدول، والاستغلال السياسي والاقتصادي للكارثة، ولكن لن نجد أدنى اكتراث بالسؤال الأهم والأخطر؛ معرفة مصدره ونشأته، والذي وإن لم يكن ناجعًا في معاقبة من تسبب بالوباء، هذا إن كان بفعل فاعل، فعلى الأقل يمكن أن يكون ضامنًا لعدم تكرار هذه الكارثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد