الكورونا بدل حربين عالميتين وأزمة إقتصادية

يمكن للجَميع أن يتَوَقع ما سَيَحدث، لكن الواقع في الغالب لهُ مخططاتٌ أُخرى. فَكما كان التوقع بقِصر الحرب العالمية الأولى، يمكن لنا أن نَتَنبأ بأنَ الأزمةَ الحاليةَ الناتجةَ عن فيروس كورونا لن تَطول أكثر مِن عدة أسابيع. مِن ناحية أخرى وبدَرَجة عالية من التطابق مع فترة الركود الاقتصادي الكبير 1929، يوجد في البيت الأبيض رئيس من خارج البيئة السياسية ولا يملك الخبرة الكافيةَ لتوحيد صفوف الأمريكيين للتعامل معَ حالاتِ الطوارئ. كما نعيشُ حالةً مشابهةً من ناحيةَ أخرى معَ فترةِ الحربِ العالميةِ الثانية من توازنِ القوى، فهناكَ قوى صاعدة وتملكُ المواردَ البشريةَ والتقنيةَ الكافيةَ للخروجِ من هذهِ الأزمةِ، كَما خرجت الولاياتُ المتحدةُ والاتحادُ السوفيتي منَ الحربِ العاليةِ الثانية. لهذا، من المهمِ النظرُ إلى التغيراتِ الثلاث التي غيرت وجهَ العالم في القرنِ العشرين والاستفادةِ منها في توقع ما قَد يأتي في القرنِ الحادي والعشرين.

عندَما بَدأت الحربُ العالميةُ الأولى، توقعَ الجميعُ في أوربا أنها ستكونُ قصيرةً جدًّا. لدرجةِ أنهم توقعوا أنها ستكونُ أقربَ إلى عدةِ أسابيعَ على الجبهةِ، وأنَ الجميعَ سيعودونَ إلى بيوتهم بعدَ ذلكَ. لكنَ هذا لم يكن ما حدثَ، دامت الحربُ أربع سنواتٍ، وكلفت أوروبا 10 مليون قتيل، وعشراتِ القرى والمدنِ المدمرةِ. في سيناريو مشابه اليوم، يعتقدُ الجميعُ أن أزمة فيروس كورونا ستكونُ قصيرةً جدًّا، ولن تلبثَ الحياةُ أن تعودَ إلى طبيعتها. لكن، إذا أَخذنا بعينِ الاعتِبارِ عدَمَ وجودِ لقاحٍ حاليًا، ولا حتَى في المدى المَنظورِ؛ فإِنَّ قَضيةَ الاحتِواءِ ليست سوى مُسكن ألم لا أكثر. إِذ لا تَملكُ أي حُكومةٍ أو أي مركزٍ بحثي لقاحًا للقضاءِ على الفيروس. بالرغمِ من حديثِ بعضِ الدولِ عن احتواءِ البؤرِ حاليًا. لكنَ في ظلِ عدم وجودِ لقاحٍ، فإنهُ لا ضامنَ لعدمِ انتِشارِ الفيروس مجددًا، وخاصةً لجهةِ وجودهِ لفترةٍ طويلةٍ قبلَ اكتشافه. كما حَدَثَ في كوريا الجَنوبية عِندَما اعتَقدوا أَنَهم قضوا على الفَيروسِ مِن خِلال الإِغلاقِ التامِ، ليظهرَ الفيروسُ بعدَ فترةٍ وجيزةٍ منَ الإعلانِ عن النجاحِ في القضاءِ على الجائحةِ. وبالتالي لا حلَ في المدى المنظورِ قبلَ وجودِ لقاحٍ يعطي مناعةً من الفيروس. لهذا فإنَ الوقتَ الذي تضعهُ غالبيةُ الجهاتِ الذي يمتد لعدةِ أسابيعَ ويتحدثُ عن خفضِ عددِ الحالاتِ المسجلةِ لا يوجدُ ما يمنعُ من ظهورها مجددًا.

النقطةُ الثانيةُ هي مشابهةٌ للأزمةِ الاقتصاديةِ عامِ 1929، فقبلَ عامٍ واحد وصلَ إلى السلطةِ الرئيسُ الجمهوري هربرت هوفر. وأتى وصولهُ إلى البيتِ الأبيض بعدَ تبنيهِ من قِبلِ الجمهوريينَ بسببِ نجاحهِ كشخصٍ إداري. لكنهُ كانَ دونَ خبرةٍ سياسية. لهذا فإنَ تلكؤهُ في التعاملِ مع الأزمةِ الاقتصادية أدى إلى تدهورِ حالةِ الطبقةِ العاملةِ الأمريكية. حاليًا يوجدُ شخصٌ مطابقٌ لهُ في البيتِ الأبيض. إذ بالرغمِ من نجاحهِ كرجلِ أعمالٍ، فإنَ الرئيسَ الأمريكي الحالي لا يملكُ الخبرةَ لإدارةِ الأزماتِ على المستوى الوطني. بالإضافةِ إلى ما سبق لا يملكُ دونالد ترامب القدرةَ على جمعِ الأمريكيينَ حولهُ وإعطاءهم الشعورَ بقدرتهِ شخصيًّا وإدارتهِ على إدارةِ الدفةِ في المرحلةِ الحالية. ففي عدةِ مراتٍ يقومُ بمناقضةِ أقوالِ الخبراءِ أو الحديث بمبالغةٍ عن حلولٍ ما تزالُ قيدَ التفكير. فالطريقةُ التي يتعاملُ بها قائمةٌ على رغبتهِ بحدوثِ الشيء. وإذا ما طالَ الأمرُ كما يبدو حاليًا، فالولاياتُ المتحدةُ اليوم أصبحت تحتلُ الصدارةَ في قائمةِ عددِ المصابينَ بفيروسِ كورونا فإنَ حاضنتهُ الانتخابيةِ لن يطولَ بها الأمرُ حتى تَتخلى عنهُ. بالضبط كما حدثَ مع هربرت هوفر عندما خسرَ في الانتخابات لصالحِ فرانكلين روزفيلت. فكما هوفر، ترامب من خارجِ البيئةِ السياسيةِ ولا يملكُ الخبرةَ اللازمةَ في التعاملِ مع حالاتِ الطوارئ. على الرغمِ منَ الفاتورةِ الكبيرةِ التي تمَ تمريرها في الكونغرس، والتي صُمِمَت لتُساعدَ الشركاتِ والأفرادَ على تجاوزِ هذهِ الأزمةِ الاقتصاديةِ الناتِجةِ عن هذهِ الجائحة.

النقطةُ الثالثةُ التي غيرت وجهَ العالم حينها كانت الحربَ العالميةَ الثانيةَ. فحينَ بدأت الحربُ كانت بريطانيا وفرنسا أكبرَ امبراطوريتين. لكنَ الحربَ أدت إلى تراجعِ مكانتهما في العالمِ، وخرجتِ الولاياتُ المتحدةُ كأكبرِ فائزٍ منَ الناحيةِ الاقتصاديةِ والسياسية. فهي كانت تملكُ ثلثي احتياطي الذهبِ النقدي في العالم حينَ كان يعد الذهبُ مرجعَ تقييمِ العملات  وتراجعَ موقعُ بريطانيا وفرنسا ليكونَا جزءًا منَ الدولِ الديمقراطيةِ بدلَ الدورِ الريادي في العالمِ الذي احتلاهُ قبلَ الحرب. لكن الموقعَ الرياديَ الذي حظيت بهِ الولاياتُ المتحدةُ بعد الحربِ بدل بريطانيا وفرنسا لم يكن دونَ تضحياتٍ. ودون إنكارِ الثمنِ البشري الهائلِ الذي دفعتهُ أوروبا، إلا أنَ الفاتورةَ البشريةَ الأكبر كانت من حسابِ الاتحاد السوفيتي. وإذا كانَ السؤالُ ما العلاقةُ بين الفاتورةِ البشريةِ والكورونا؟ فالجوابُ بسيطٌ. تملكُ الصينُ اليوم نظامًا لا يختلفُ عن الاتحادِ السوفيتي لجهةِ عدمِ احترامهِ لقيمةِ الفردِ أمامَ الأيديولوجيا. وبتوافرِ البنيةِ التحتيةِ التقنيةَ لتُمّد العالمَ بالمستلزماتِ للقضاءِ على جائحةِ الكورونا. ما الذي يمنعُ الصينَ من الإبقاءِ على خطوطِ الإنتاجِ تعمل دونَ الالتفاتِ للفاتورةِ البشريةِ في مقابلِ خروجها البلدَ الأقوى اقتصاديًّا في العالم بعدَ انتهاءِ الأزمة. مع بنيةٍ تحتيةٍ صناعيةٍ في أعلى قمةِ إنتاجيتها، في حين أنَ دولًا أخرى تترنحُ للخروجِ من الحجرِ بعدَ زمنٍ يبدو أنهُ لن يكونَ قصيرًا كما هو متوقع.

فعدمُ خبرةِ الإدارةِ الأمريكية وعدمُ قدرتها على إدارةِ الأزمةِ فاقمت حالةَ الجائحةِ لتصبحَ شهورًا منَ الآن، إن لم يكن سنوات من يعلم؟-. وبالتالي تعطيلُ العجلةِ الاقتصاديةِ في ظلِ التداخلِ العالمي غير المسبوق لعملياتِ الإنتاجِ المعتمدةِ على موردينَ من دولٍ أخرى. فإنَ الصينَ ستكونُ البديلَ الوحيد الذي سيدفعُ ربما ثمنًا بشريًّا كبيرًا لن نعرفه الآنلكنها ستقوم بمركزةِ عملياتِ الإنتاجِ على أراضيها، وبالتالي تخرجُ منَ الجائحةِ الحاليةِ وقد قدمت ما قدمهُ الاتحادُ السوفيتي، وكسبت ما كسبتهُ الولايات المتحدةُ الأمريكيةُ في الحربِ العالميةِ الثانية. والبلدُ الوحيدُ الذي ينتجُ الآن ما يحتاجهُ العالمُ في ذلكَ اليوم ليستمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد