على مدى السنة الماضية، كان هناك عدد من الأحداث المهمة التي شهدها العراق، حيث التفاعل مع ضغوط حركة ثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاحتجاجية، وكذلك التدخل الأجنبي من الولايات المتحدة وإيران، وبصورة أقل من بعض الفاعلين الإقليميين. بينما تغير السياق السياسي كثيرًا، تظل المطالب الأساسية للحركة دون إجابة إلى حد كبير. سيعتمد استقرار العراق على قدرة الحكومة الجديدة على تقديم تنازلات للحركة الاحتجاجية – الخاملة مؤقتًا بسبب انتشار فيروس كورونا – والتخفيض الذي شهدته التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران.

في ديسمبر (كانون الأول) 2019م، تنحى رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، بعد ضغوط من حركة الاحتجاج التي شهدتها معظم المدن العراقية الرئيسية. كذلك قُتل قاسم سليماني اللواء في الحرس الثوري وقائد فيلق القدس، وأبو مهدي المهندس القيادي البارز في الحشد الشعبي في غارة جوية أمريكية في 3 يناير (كانون الثاني) 2020م. ذلك الحدث الذي هدد الوضع الأمني ​​الهش في العراق، وكاد أن يدفع إيران والولايات المتحدة إلى الاقتراب من الحرب. رغم تحديد المتظاهرين لموعد نهائي في منتصف يناير 2020 لاستجابة الحكومة لمطالبهم. لكن المظاهرات ارتفعت مرة أخرى، عندما انقضى الموعد النهائي دون إجراء تغييرات جوهرية – حيث تخلل ذلك بعض أعمال الشغب العنيفة بمقابل الاحتجاجات السلمية لأول مرة. على الرغم من أن الحركة الاحتجاجية قد تأثرت كثيرًا، ولا سيما المظاهرات، بسبب تفشي فيروس كورونا، مما حدا من زخمها بشكل كبير، إلا أن التوقف قد يسمح للمتظاهرين بإعادة التنظيم والضغط من أجل مزيد من التنازلات عندما تنحسر الأزمة الصحية.

كانت قد بدأت حركة الاحتجاج في أكتوبر – التي يمكن القول بأنها أكبر تعبئة اجتماعية سياسية شعبية في تاريخ العراق الحديث – في المقام الأول بوصفها حركة مناهضة للحكومة ومكافحة للفساد المستشري في أوساط الحكومة، تدعو إلى المزيد من الوظائف وتوفير الخدمات العامة. كانت حركة بلا قيادة وعفوية إلى حد كبير، استمرت لفترة أطول من حركات الاحتجاج وتطورت لتشمل شرائح أكبر من المجتمع العراقي. كان ما بدأه الشباب والطلاب، سرعان ما اجتذب مجموعات واسعة من المشاركين، بما في ذلك المعلمون والمحامون وأعضاء النقابات. كما لعبت المرأة دورًا مهمًّا؛ إذ شاركت في المظاهرات منذ البداية، وعقدت العديد من المسيرات النسوية، ولا سيما في فبراير (شباط) 2020م؛ إذ شددت على دورها في الحراك. ومع نمو قاعدة المتظاهرين، ازدادت مطالبهم ورفضهم للنخبة الحاكمة، ولا سيما النظام السياسي الإثني – الطائفي (نظام المحاصصة) الذي فُرض على البلاد في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003م.

مما كان سببًا رئيسيًّا في التحفز الأولي للمظاهرات هو إقالة الفريق عبد الوهاب الساعدي في أواخر سبتمبر (أيلول) 2019م. كان الساعدي قد قاد قوات من النخبة في جهاز مكافحة الإرهاب في البلاد، وكان شخصية رئيسية في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ونظرًا إلى كونه أحد الشخصيات العامة القليلة التي قاومت السياسة الحزبية والطائفية، فقد اعتبر الكثيرون إقالته قرارًا من إدارة فاسدة اتخذ بأمر من إيران. وضعت المسيرات ضد هذه الخطوة ضمن فكرة مقاومة النفوذ الإيراني ومعاداة الطائفية وتبناها الحراك الشعبي، إلى جانب الدعوات للحصول على الوظائف والخدمات العامة ووضع حد للفساد.

برزت مخاوف الحركة الاحتجاجية الأساسية بشأن النفوذ الإيراني في أعقاب الضربة الأمريكية التي قتلت قاسم سليماني وأبا مهدي المهندس في 3 يناير 2020م. على الرغم من أن مقتل سليماني سيطر على عناوين الصحف، فإن مقتل المهندس كان بالأهمية نفسها بالنسبة للعراق وإيران؛ بسبب القوة السياسية والعسكرية التي يمثلها الحشد الشعبي. يرتبط النفوذ الإيراني في البلاد ارتباطًا مباشرًا بقوات الحشد الشعبي، وبعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، نما الحشد إلى ما يقرب من 150 ألف جندي وأكثر من 50 لواءً، من بينهم كتائب حزب الله، ومنظمة بدر، وعصائب أهل الحق (فورين بوليسي، 31 يوليو (تموز) 2019). في عام 2019م، كان هناك ضغط لدمج قوات الحشد الشعبي رسميًّا في قوات الأمن العراقية؛ ومع ذلك، لم توافق جميع الميليشيات على الدمج، وتركت أفعالها دون رادع إلى حد كبير.

هدد مقتل سليماني والمهندس وجود الحركة في لحظة حاسمة بعد استقالة رئيس الوزراء عبد المهدي. بالنسبة للكثيرين، مثلت إقالة عبد المهدي الخطوة الملموسة الأولى نحو تحقيق إصلاح كامل للنظام، مع المزيد من الإصلاحات الدستورية والانتخابية المقبلة. ومع ذلك، بدا وكأن التداعيات الجيوسياسية لحادثة القتل بإلقاء ظلالها على الحركة ووضع المتظاهرين في مسار صدامي بمواجهة الميليشيات المدعومة من إيران، حيث كان المحتجون لا يلينون في مطالبهم لكبح النفوذ الإيراني. ففي البصرة والناصرية، أطلقت كتائب حزب الله النار على المتظاهرين الذين رفضوا عزاء سليماني، مما أدى إلى مقتل أحد المتظاهرين. كما انخفض نشاط المظاهرات في أسبوع الغارات الجوية والأسبوع الذي تلاه، تم استعادة الزخم فقط في أسبوع 19 يناير، والذي مثل الموعد النهائي الذي قدمه المتظاهرون للحكومة للاستجابة لمطالبهم.

قامت القوات الحكومية والميليشيات بقمع الحركة بعنف. فكان حجم الهجمات على المتظاهرين غير مسبوق؛ إذ تم الإبلاغ عن أكثر من 500 حالة وفاة بين أكتوبر 2019م وأبريل (نيسان) 2020م. جرى تنفيذ معظم الإجراءات القمعية وحالات استخدام القوة المفرطة من قبل وزارة الدفاع والشرطة وقوات الرد السريع الخاصة بهم.

ووقعت عدة حالات اقتحام متظاهرين لمقر محلي، وتشارك الميليشيات المدعومة من إيران، مثل عصائب أهل الحق ومنظمة بدر، أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين – مما أدى في كثير من الأحيان إلى سقوط عدد كبير من القتلى. أُبلغ عن هذه الحوادث بشكل رئيسي خلال الشهرين الأولين من المظاهرات، عندما وقعت معظم أعمال العنف.

منذ بداية الحركة الاحتجاجية، شارك العديد من النشطاء في أغلب الأحيان في حين استهدف المظاهرات عملاء مجهولون بعد خروجهم من المظاهرة مربعات. وقد واجهوا عددًا كبيرًا من هذه الهجمات وعمليات الاختطاف المستهدفة.

الفاعل السياسي الرئيسي الآخر الذي كان لأعماله تأثير كبير على الحركة، هو رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي يترأس ائتلاف سائرون (أحد فصيلين سياسيين رئيسيين في مجلس النواب). سحب دعمه منذ تسببت الحركة في أواخر يناير 2020م في إثارة العديد من أنصاره، الذين كانوا في السابق يشاركون في التظاهرات لانقلاب الحراك والهجوم على المتظاهرين.

كانت الحركة قادرة على التوسع بسرعة خلال الأشهر الستة، من أكتوبر 2019م حتى مارس (آذار) 2020م، لتشمل محافظات شرق ووسط العراق، جنبًا إلى جنب مع المحافظات الجنوبية، منتشرة بشكل فعال في جميع أنحاء البلاد. المدن الجنوبية الرئيسية مثل الناصرية والبصرة والديوانية والسماوة، إلى جانب العاصمة بغداد، كانت بمثابة المحاور الرئيسية للمظاهرات. إلا أن التظاهرات سيطرت أيضًا على مدن وسط العراق، مثل كربلاء والحلة، ومدينتي الكوت وبعقوبة الشرقيتين، حيث شهدت عددًا كبيرًا من أعمال العنف خرجت مظاهرات. حتى المحافظات مثل نينوى وصلاح الدين والأنبار التي كانت في السابق تحت سيطرة داعش، وتعرضت لنشاط احتجاجي متقطع ومع ذلك، فإن مخاوفهم، كما المناطق السنية التي قيل إنها سمحت لداعش بالسيطرة، اقتصرت احتجاجاتهم على الأنشطة الرمزية مثل رفع لافتات توضح عدد المتظاهرين الذين استشهدوا.

هذا الانتشار للحركة كان مدفوعًا إلى حد كبير بمظالم المواطنين تجاه دولة لا تلبي احتياجاتهم، ويضاعف من ذلك حقيقة أن كانت الدولة قد ردت على الحركة بقتل عدد كبير من الناس.

بعد ستة أشهر من بدء الأحداث، أوقف الحراك فجأة بسبب تفشي فيروس كورونا. حيث في 21 مارس 2020، أعلن المتظاهرون أنهم سيعودون إلى منازلهم حتى زوال خطر فيروس كورونا. مع انقضاء الوقت وفي ظل عدم وجود إصلاحات سياسية كبيرة، تعهد المتظاهرون بالعودة إلى الشوارع مرة أخرى بعد انحسار خطر فيروس كورونا. في الوقت ذاته، أثارت الاستفزازات المتكررة والهجمات الانتقامية بين الولايات المتحدة وإيران خطر مواجهة خطيرة على الأراضي العراقية. جنبًا إلى جنب مع الاضطرابات السياسية التي تلت انسحاب ورفض رئيس الوزراء المكلف الثاني محمد توفيق علاوي فإن العراق واجه مجموعة من التهديدات الكبيرة لأمنه. في 9 أبريل، استقال رئيس الوزراء المكلف، عدنان الزرفي، وحل محله مصطفى الكاظمي. كان الكاظمي هو الشخص الثالث الذي جرى ترشيحه لقيادة البلاد منذ استقالة رئيس الوزراء، عبد المهدي، في ديسمبر جاء ترشيح الكاظمي وسط احتجاج من قبل عدد من الميليشيات المدعومة من إيران، الذين اتهموه بأنه عميل أمريكي. كان الكاظمي أيضًا محلًّا للرفض من المتظاهرين بسبب ما تردد عن صلاته بعدد من الجماعات الموالية لإيران في مجلس النواب الذي يُعتقد أنهم كانوا وراء ترشيحه. هذا التطور من المرجح أن يطيل حالة عدم الاستقرار في البلاد.

في الأول من سبتمبر عام 1922م، وصف وزير الاستعمار البريطاني، ونستون تشرشل، عندما كتب إلى رئيس وزرائه، حكم العراق بأنه أقرب إلى الجلوس على بركان. أثبت هذا الوصف أنه مناسب جدًّا لرؤساء الوزراء المتعاقبين في العراق، ولا تختلف الحال بالنسبة للكاظمي، الذي يواجه جمهورًا ناخبًا غاضبًا للغاية، أدت مطالبته بالإصلاح إلى زعزعة السياسة العراقية بشكل متزايد. إذا لم تجر إدارة هذا الغضب في العراق ببراعة، فلن يكون له عواقب سلبية على النظام السياسي في العراق فحسب، بل على أمن المنطقة أيضًا. العراق الذي ينزلق إلى الفوضى السياسية هو تهديد لجيرانه كما ثبت من قبل.

رغم التحديات التي تواجه الكاظمي، تشير بيانات الاستطلاع إلى وجود دعم سياسي له واسع النطاق حاليًا، ولكن ليس بالضرورة أن يمثل ذلك طريقًا بدون منازع إلى الأمام. كما يجب أيضًا إبراز ثلاثة عوامل مهمة لفهم مواقف العراقيين تجاه الكاظمي بشكل أفضل. إذ حل الكاظمي محل سلفه الذي لا يحظى بشعبية بعد إقالته بسبب الاحتجاجات. كما أن عبد المهدي كان أحد أكثر رؤساء الوزراء كرهًا في عراق ما بعد 2003م، فمن المتوقع أن يساعد ذلك الكاظمي على سبيل المقارنة. كما يجب أيضًا الاعتراف بأن الكاظمي يتمتع أيضًا بشهر عسل سياسي، يستمتع به معظم القادة خلال الأشهر القليلة الأولى في المنصب. علاوة على ذلك، يشير التحليل الدقيق للواقع إلى أن العديد من العراقيين متناقضون نسبيًّا في دعمهم للكاظمي، مما يشير إلى أن العديد من العراقيين لديهم مواقف ضعيفة أو غير مواتية تجاهه. وبالتالي، لا يتمتع الكاظمي بدعم قوي ولا معارضة قوية للغاية، مما يشير إلى أن شعبيته يمكن أن تميل في أي من الاتجاهين اعتمادًا على مسار الأحداث. بالنسبة للكاظمي، من المحتمل جدًّا أن تكون قدرته على الوفاء بوعوده إما أن ترفعه وإما تكسره سياسيًّا. أما الآن، فهو لا يتمتع بقاعدة مجتمعية صلبة من الدعم الثابت.

رغم أن الكاظمي يواجه مجموعة هائلة من التحديات في العراق. فإن هناك توقعات كبيرة بالنسبة له لتحقيق تغيير إيجابي في العراق، لكن يمكن القول إن لديه قوة محدودة لتحقيق تلك التغييرات. قد يؤدي الفشل في الوفاء بوعوده للسيطرة على الميليشيات، وتحقيق مستوى معيشي مرتفع، والحد من الفساد، وإدارة انتخابات وطنية حرة ونزيهة، إلى تحول الكاظمي إلى رئيس وزراء عراقي آخر يدمره العراقيون ذلك «البركان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد