في خضم تعرض دول العالم إلى محنة فايروس كورونا المستمرة منذ عدة أشهر، يلح السؤال الدائم حول المنظومات الطبية التي يديرونها وتتعامل مع أحوالهم الصحية، وعلاقاتها مع جوانب اقتصادية وسياسية.
كان في المقالة السابقة حديث عن النموذج الأوروبي والغربي، واليوم نكمل ما تم البدء به عن نماذج أخرى.

فوضى اللامنظومة

وبالمقارنة غير المتكافئة بين المنظومة الغربية وبعض الآخرين، حتى لا يظن أن المقالتين تستهدفان «الطبابة عند الرأسمالية»، لكم أن تتصوروا كيف يمكن أن يكون الواقع الطبي في دول مثل الدول العربية والأفريقية وعموم دول العالم الثالث، حيث لا يوجد بالأساس منظومة طبية أو مادية أو أخلاقية واضحة بأي شكل من الأشكال، ولا يعلم المواطن إن كان حقًا يعيش في عالم المادة أم الروح أم كليهما أم «ولا حاجة»، أم أنه مجرد عبد للعولمة الغربية والاحتلال الخفي.

هناك يموت المريض في المستشفى المهمل رسميًا، في حين يعالج الرئيس والوزير خارج الحدود بالأموال التي يفترض أن توظف لتطوير الصحة والبحوث الطبية والمستشفيات الوطنية لتصير ملاذًا للجميع عامة ومسؤولين ليتلقوا فيها الرعاية الكريمة التي باتت حلمًا شعبيًا.

هذا يضاف إليه القمع ضد كل من يتحدث في ذلك أو يطالب بأي تغيير، فأنظمة اللامنظومة تلك استبدادية حد الترف، ويصل بها الأمر إلى التخوين والاعتقال والقتل والانتقام لكل من يحاول تنفس أوكسجين الحريات والحقوق على اختلاف أنواعها. أنت كمواطن ممنوع عنك التمرد، الثورة أو قول الحقيقة، ممنوعة عنك معظم الحقوق إن لم يكن كلها، ممنوع عنك بناء منظومة حقيقية مع أبناء شعبك الأحرار الحالمين الذين تتشارك معهم في الرؤى والأهداف والمعاناة… ممنوع عنك حتى معارضة منظومة اللامنظومة ذات القمع المنظم.
أنت أصلا مريض بشيء اسمه الكبت والصمت وكثير من العلل النفسية بفعل حاكميك غير العاديين، وهذا قبل أي حديث يتعلق بصحتك الجسدية والحقوق الطبية والأدوية والعلاجات، وأي شيء من هذا القبيل.

إنجازات مزعومة

مؤخرًا افترضت بعض الجهات أن الفيروس كان أقل حدة في دول عربية ونامية منه في الدول المتقدمة، زاعمة أن حسن التدبير والتصرف من الحكومات وتفان الطواقم الطبية هو السر. غير أن السبب الحقيقي لا يفترض أن يكون إنجازا حكوميا عربيا وفقا للمعطيات، مع احترام كل جهد قدمه العاملون في الخطوط الأمامية ولا سيما الممرضين والأطباء، لكن يرجح أن قلة التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي وضعف التواصل والتفاعل العربي مع دول العالم هو ما شكل سببا أساسيا ساهم في الحؤول دون ذروة مرض هائلة مقارنة بالدول المتقدمة التي تضررت بشريا واقتصاديا بصورة أوضح وأكبر، ولعل هناك ما يستلزم البحث أكثر في افتراض أن شعوب هذه المنطقة ذات مناعة أكبر في مواجهة الأمراض والأوبئة والظروف القاهرة لكثرة ما مر عليها، فصارت بالضرورة معتادة ومستضيفة لكل مصيبة جديدة وكأنها لم تكن.

يتحتم القول في هيجان بركان الربيع العربي ضد قمع الأنظمة وفساد الحكومات أن الجهود الحكومية المزعومة لم تكن هي المفتاح الرئيسي لتقييد انتشار كورونا بقدر ما هو تخلف للفايروس عن الانتشار السريع نظرا لضعف الحراك البشري المتبادل بين العرب الآخرين بفعل سياسات هذه المنظومات والإغلاق الذي تفرضه على بلادها وشعوبها منذ عقود، سيما وأن استخدام حظر التجوال والحجر المنزلي والقمع في تنفيذهما خلال بدايات الجائحة ما هو إلا امتداد للمنظومة الاستبدادية تلك، وسياساتها في حظر التجوال وتعطيل الحياة المدنية وفرض حالة الطوارئ وسرقة السلطة من الشعب بالقوة، وهو استبداد أكثر من كونه إجراء وقائيا ضد الوباء، ويتضح ذلك في كيفية تعاطي الجهات الأمنية والعسكرية مع الموضوع بابتذال وجهد وتشديد أكبر من كل جهود القطاع الطبي الذي لم تدخر أي دقيقة في الليل لأطلاق التصفيق له واحترام جهوده والترويج لها إعلاميا. بل إن فتح التغطية الحكومية بخطاب يومي مطول ومخصص للحديث عن مستجدات كورونا يخبئ وراءه الرغبة في إخفاء القصور والفساد والبطالة وتهالك المنظومة، إذ ترغب تلك الطغم الحاكمة في استخدام الفيروس للتغطية على فشلها، ولا بأس لديها في دفع تكاليف للتضليل الإعلامي وبث الشائعات أكبر من تكاليف الإصلاح المأمول.

ويأتي النموذج المصري محققا أعلى درجات التزوير للحقيقة، حين تهدي الحكومة الكمامات ومواد الوقاية المصرية لإيطاليا، وتوفد الرئاسة وزيرة الصحة إلى بكين لإعلان التضامن مع الصين، في وقت ترجح فيه منظمة الصحة العالمية إصابة الآلاف بالوباء في البلاد التي تحتجز المعلومات والأطباء في أفرع مخابرات، ثم ترد الأنباء عن عشرات الوفيات في صفوف الأطباء العاملين في الخطوط الأولى لأسباب يرجح أنها قلة معدات الوقاية لهم، وهي المعدات التي فرطت بها السلطات كهدايا للدول.

وفي وقت تزعم الصحة المصرية أن المستشفيات مخدمة أفضل تخديم والرعاية في أفضل أحوالها، تنتشر الفيديوهات والحقائق الموثقة الصادمة حول مواطنين يموتون على أبواب المستشفيات، وجرائم طبية تتمثل بتغييب الكوادر وشبه انعدام في المعدات والأسرة وأجهزة التنفس، بل إن الكمامات غير متوفرة محليا لا هي ولا مواد التعقيم البسيطة، ما يحول اللامنظومة تلك إلى أداة قتل جماعي.

والحال ليس أفضل في سوريا التي تزعم أن المرض محدود جدا، والإجراءات كفيلة بمنعه، وكأن النظام الذي لا بدائل لديه لتخفيف كارثة توقف السوريين عن العمل وتوفير متطلبات معيشتهم المفقودة أصلا بفعل الحرب، لا يرغب بأي شيء جديد يهز كينونته وسطوته الحديدية على الشعب رغم اهتزازها بوضوح في الأسابيع الأخيرة، بل يدير الجائحة بما يخدمه وإن كانت الضريبة مزيدا من الموت الصامت للسوريين يضاف إلى موتهم جوعا وتعذيبا وتحت القصف بفعل انتهاكاته وكل المليارات التي بذلها لوأد الثورة وتحطيم أي حلم بالحرية. وهذا كله قبل إعادته الحياة إلى ما كانت عليه قبل الإغلاق والحظر.

الشموليات العظمى

أما النموذج الثالث في مجال الاطلاع هذا، فهو للدول العظمى والكبرى الشمولية، وهو ليس أفضل حالا من النموذجين السابقين.
المشكلة هنا هي أن الدول الكبرى الشرقية والعظمى ذات النظم الشمولية تحمل في طياتها تشوها بنيويا وأخلاقيا يشبه اللامنظومة، رغم كل كتبها ونظرياتها وأفكار زعمائها الديكتاتوريين التي تبدو نبيلة وسامية نظريا، لكن لا نشاهدها إلا على الورق ولا تخرج عن رفوف المكتبات سوى للاجترار الإعلامي الترويجي الاستقطابي، وكذلك تشترك مع دول اللامنظومة في كون الشعوب والبلاد ذات باع حضاري وثقافي عريق، لكن لسوء الحظ لم يعد لذلك نفع حقيقي في رفد الحقوق والأخلاق العامة وتخفيف حدة القمع أو إنعاش التنوع الفكري والاجتماعي.

وباتت النظم الشمولية تلك تميل هي أيضا إلى «الرأسمالية المقننة» حين يتعلق الأمر بأسواق المال والتبادل التجاري والشركات والصناعات، وتدعي مجانية كل شيء وطني في الجوانب الصحية والطبية والتعليمية وتزعم ألا ضرائب على الشعب، رغم أن الحياة بلا مسموحية في التفكير هي أكبر ضريبة، ثم تدعي مجانية الحياة لمواطنيها المختطفة حياتهم سياسيا وفكريا بالكامل، لنحصل هنا بالمحصلة على «طبابة اشتراكية شمولية» تعطي نفس نتائج «طبابة اللامنظومة»، ونفس نتائج «الطبابة الرأسمالية».
النتائج عند الشموليين: شعب ينال القليل من الرعاية الطبية، وقادة يسخرون مقدرات بلادهم وطاقاتها المتوفرة لحماية أنفسهم.

وهو ما يعتقد أنه بدأ يتوضح في تبدل طريقة تعاطي النظام الصيني مع أرقام الوباء منذ ما يزيد على الشهرين، بتثبيته أعداد المصابين والوفيات بشكل لا يتناسب مع عدد السكان وسرعة انتشار الفيروس، وبما يتنافى رياضيا ومنطقيا مع النسب والسرعات الحاصلة في دول أخرى من حيث تناسب عدد الإصابات والوفيات مع عدد السكان والمساحة ودور الإجراءات الوقائية في تأخير ذروة الوباء، وهو ما أكده ناشطون صينيون معارضون، ويهدف من خلاله النظام الصيني وفقا للناشطين إلى محاولة إعادة الأمور الاقتصادية والسياسية والأمنية لموقع أفضل، والتركيز على ما يتعلق بالسوق، منعا من انحدار سمعة الصين التجارية وهيبة منظومتها السياسية، حيث باتت وفقا للمصادر تسابق الزمن لتعويض الخسائر المالية، بجهد يشبه ذاك الذي بذلته في التعامل مع الوباء في مرحلة سابقة، ما يؤكد أن الاستطباب كان عبارة عن شيء يلبي حاجة النظام لا الشعب، وهو ما يتماشى مع الاتهامات الأمريكية والأوروبية التي تزعم تأخر الحكومة الصينية في الإعلان عن ظهور الفيروس وتأخرها في التعاطي معه، دون إنكار تورط الحكومات الغربية التي تنتقد الصين في انتشار كورونا بسبب تأخرها في الاستجابة المحلية مع الإصابات الأولى في أوروبا والولايات المتحدة.

ولعل تأخر الصين في الإعلان عن الوباء والتعامل معه، وهو ما أكده الفيديو التحذيري الأول للطبيب الصيني «لي وينليانغ» المتوفى بكورونا، والذي لاحظ بدء انتشار الفايروس في ديسمبر (كانون أول) 2019، قبل أسابيع من إعلان السلطات التي اتهمته ببث الشائعات، تسبب في مضاعفة انتشار المرض بشكل كبير وصعب القدرة في التعاطي السريع معه.

كما أن حالة القمع في تنفيذ الإجراءات في الصين وفي روسيا مثلا، والغرامات والسجن وغيرها من الأساليب التقليدية للقمع في هذه الدول، يجعل الأمر أكثر ميولا إلى اعتباره رغبة بفرض القوة السيادية والوقاية الطبية الموجهة وفقا لمنظور شخص واحد أو زمرة متحكمة، وبما يحقق منفعتها، ما يضع أهداف عملية الاستطباب بمجملها موضع شك لدى كثير من الباحثين، فالفوارق إجرائية بين الثلاثي السابق (الرأسمالي،الشمولي، اللامنظومة القمعية)، وهي غالبا في التسميات بين الأصناف، فشركة التأمين والشركات العملاقة التي تستحوذ على حياة مواطني العالم المتقدم، هي ذاتها النظام الشمولي آنف الذكر الذي يجعل من نفسه شركة استثمار، فيما الشعب موظفوه بأقل الأجور والحقوق، وهو ذاته ما يحصل في دول الأطراف التي لا منظومة لها، فحكامها ومتنفذوها هم شركة الاستثمار والبيع والشراء في شبه الدولة التي قدموها بكل ثرواتها هدية بالمجان للقوى الأكبر حجما مقابل سلطتهم المترنحة وبذخهم الشخصي، فيما الشعب هنا مجرد أصول ثابتة (أقل من موظفين).

عودا على ذي بدء، إلى الرياضيين وأصحاب الغنى الفاحش ومديري الشركات العملاقة والسياسيين والفنانين النجوم وأصحاب الأملاك الضخمة، هؤلاء جميعا يفترض أنهم استثناء، وثرواتهم وحيواتهم فريدة من نوعها وليست حالة عامة في المجتمعات البشرية الحالية لكن الذي يفترض ألا يكون استثنائيا هو أخلاقيات المنظومات البشرية المتحكمة، بما فيها المنظومات الطبية ونمط تعاملها مع كل البشر، فهي التي تحدد طريقة تعامل إنسان مع إنسان آخر وتتحكم في شكل حياته وموته وحقوقه وواجباته وقيمته.

هذا كله ربما لم يتعظ له البشر بعد، رغم مرور أشهر على وقوع الجائحة، ولم يعالجوا الأزمة القديمة الجديدة طبيا، اجتماعيا، أخلاقيا أو إنسانيا بالاستناد إلى ما يجيء من الأخبار والوقائع، بل على العكس تتعزز شرائع مضادة وأمراض منها التمييز والعنصرية والهيمنة والاستعلاء. وهذا الواقع كان قبل كورونا، أما الآن فهو هكذا أيضا!، وفقا لما يؤكده كثير من المتابعين والدارسين.

وعلى أي حال ربما يرى كثيرون أن الطبول قد قرعت لتنبه البشرية أنه حان الوقت لأخذ الدروس من تجاربها الشابقة لتعدل على مساراتها، بل صار لزاما عليها أن تطبب جراحها وتخفف الأضرار من الوباء العضوي والأوبئة الفكرية على حد سواء.

والمرجو أن يحصل التغيير الإيجابي عاجلا بأيدي من يرغبون بإصلاح كل هذا، فالبشر يفترض أن يتحسن تداول الحقوق فيما بينهم ليكون شبه متماثل، وأن يعاد توزيع الثروة بينهم بمنطقية وعدالة أكبر.

يبقى التساؤل الذي يفرض نفسه رغم كل تلك المطالب المثالية المرجوة: هل استطباب الإنسان يتناسب طردا مع حاجته إلى الوقاية والرعاية والعلاج أم مع مصلحة من يمسكون الاقتصاد والسياسة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زمن, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد