لكل مصيبة تحل بقوم ما، أو منطقة ما، تكون لها آثار وانعكاسات إيجابية، لدى قوم آخرين، أو منطقة أخرى، حسب قول الشاعر أبي الطيب المتنبي المعروف «مَصائِبُ قَومٍ، عِندَ قَومٍ فَوائِدُ)».

فلنبحث الآن عن الفوائد والمنافع، التي خلفها هذا الوباء المميت القاتل، الذي اجتاح الأرض كلها، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بدون تأشيرة دخول، من أي نظام من أنظمة الأرض الطاغوتية!

ثم نتحدث عن الفضائح، التي كشفها هذا الوباء، وهتك فيها أستار الأنظمة، التي كانت تتغلف بغلالة رقيقة، من الحرية والديمقراطية والعدالة، وسواها من الشعارات البراقة الكاذبة!

القسم الأول: المآثر

1- مآثر دينية:

1-1 لأول مرة في تاريخ أوروبا النصرانية، الصليبية ذات التاريخ الأسود، في معاداتها للإسلام، واحتلالها بلاد المسلمين مائتين وستين سنة أو يزيد، فيما يسمى الحروب الصليبية، تسمح بعض البلدان، برفع الأذان بمكبرات الصوت، لينطلق صوت المؤذن، الذي كان حبيس جدران المساجد لأعوام مديدة، فينتشر شذا صوت التوحيد الرخيم، في الفضاء، منتصرًا على الشرك والوثنية.

فها هو رئيس وزراء هولندا، يطلب من رئيس الجالية المسلمة يوم الاثنين 6 أبريل (نيسان) 2020 أن يفتح المسجد في أمستردام، ويرفع الأذان بمكبرات الصوت، ليشق اسم الله أكبر عنان الفضاء. والرابط في الأسفل:

علماً بأن أجراس الكنائس، كانت وما تزال، تُقرع بصوت مدوٍّ، في كل بلدان المسلمين، لم تتوقف، ولم تمنع يومًا ما، سواءً أثناء الحكم الإسلامي، أو ما بعده.

وهذا الاهتمام المتزايد، برفع الأذان في البلاد الغربية، هو تصديق لبشارة الرسول، صلى الله عليه وسلم:

«ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلَّا أدخلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ ، بعِزِّ عزيزٍ ، أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذلًّا يذِلُّ اللهُ به الكفرَ».

1-2 اعتراف وإقرار، عند عدد غير قليل من الناس الغافلين من المسلمين، ومن غير المسلمين، بأنهم بحاجة ماسة إلى المدد الرباني، والمساعدة الإلهية، لإنقاذهم من هذا الوباء المخيف، المرعب.

وهذه الحالة، ليست جديدة عند البشرية، فدائمًا حينما تحل بها المصائب، والكوارث، ولا يجدون من ينقذهم منها إلا الله، يتوجهون إليه، يناشدونه، ويجأرون له بالدعاء، ليرفع عنهم البلاء، كما قال تعالى:

«وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِی ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّاۤ إِیَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَـٰنُ كَفُورًا» [الإسراء ٦٧].

1-3 تصريح عدد غير قليل من الناس، مسلمين وغير مسلمين، بأن ما يصيب البشرية من بلاء، هو بسبب الذنوب، والمعاصي الكثيرة، وانتشار الجرائم الخلقية، بأشكالها المتنوعة، من الشذوذ الجنسي، وزواج المثليين على المكشوف، وبموافقة القانون، هذا غير عمليات الإجهاض، وقتل ملايين المخلوقات، التي ما تزال طور التكوين.

1-4 تنظيف المجتمع وتطهيره من الفساد، والفجور، الذي عم الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها، كما بين الله تعالى:

«ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ» [الروم ٤١].

وذلك عن طريق إغلاق دور الملاهي، والنوادي الليلية، والمسارح، ودور السينما، والمراقص، ودور اللهو، والعبث، والمجون، والقمار، وحانات السكر، والعربدة، في معظم دول العالم.

1-5 اعتراف الغرب النصراني، بأن الإسلام، قد وضع نظامًا للوقاية من العدوى، بشكل محكم، ودقيق، سبق فيه كل الأنظمة الصحية العالمية، منذ أكثر من 1400 سنة.

حينما قال الرسول، صلى الله عليه وسلم:

«الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ علَى طَائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ، أوْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ، فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ، وأَنْتُمْ بهَا فلا تَخْرُجُوا، فِرَارًا منه، قالَ أبو النَّضْرِ: لا يُخْرِجْكُمْ إلَّا فِرَارًا منه». صحيح البخاري.

وطرح كونسيدين، الذي صدر له مؤلفان تناول فيهما الإسلام، سؤالًا حاول الإجابة عنه، قائلًا: «هل تعلمون من الذي أوصى بالتزام النظافة والحجر الصحي الجديد في أثناء تفشي الأوبئة؟»، فأجاب قائلًا: «نبي الإسلام مُحمد، قبل 1400 عام».

وأضاف: «محمد قال: إذا ما سمعتم بانتشار الطاعون بأرض ما فلا تدخلوها، أما إذا انتشر الطاعون في مكان خلال وجودك فيه فلا تغادر هذا المكان. وقال أيضًا: المصابون بأمراض مُعدية يجب إبقاؤهم بعيدًا عن الآخرين الأصحّاء».

المصدر الخليج أونلاين في 21-3-20

2- مآثر صحية:

2-1 انتباه الناس، إلى ضرورة النظافة، وأهميتها، في الحياة العملية اليومية، والبدء بممارستها، تقليدًا للمسلمين الملتزمين بالمحافظة على الطهارة، والوضوء يوميًّا خمس مرات.

2-2 قيام البلديات، في معظم بقاع الأرض، بتنظيف الشوارع، والطرقات الرئيسية، والفرعية، ورشها بالمحاليل المطهرة.

2-3 اكتشاف غير المسلمين في دول الغرب، أهمية، وضرورة، استخدام الماء في إزالة النجاسة المغلظة، الخارجة من أدبارهم، بدلًا من الطريقة البدائية، المتخلفة، التي كانوا يستخدمونها في إزالة القاذورات، بالورق فقط!

وذلك باستخدام خرطوم ماء، يشطف كل الغائط، الذي يخرج.

واعترافهم أخيرًا، بعظمة الإسلام، وحرصه على النظافة، والطهارة، وسبقه لهم، بأكثر من ألف وأربعمائة سنة، وهم كانوا يظنون أنفسهم، أنهم وحدهم، مجتمع الرقي والحضارة.

3- مآثر بيئية:

تقول تقارير علمية عديدة، إن تلوث الجو، والبيئة من الغازات السامة الخارجة من عوادم السيارات، قد نقص بحدود 40-50%؛ بسبب توقف ملايين السيارات عن الحركة، في طرقات، وشوارع دول العالم.

ووفقًا لما ذكرته صحيفة «ديلى ميل» البريطانية، أشارت ملاحظات الأقمار الصناعية، إلى انخفاض حاد في انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين، في أعقاب عمليات الإغلاق الصارمة، في إيطاليا والصين، وهما الدولتان الأكثر تضررًا حتى الآن.

فيما يقول مارشال بيرك، اقتصادي الموارد البيئية، إن هناك صلة مثبتة بين نوعية الهواء السيئة والوفيات المبكرة المرتبطة بتنفس ذلك الهواء. «في شهرين فقط من انخفاض مستويات التلوث، حياة 4 آلاف طفل دون سن الخامسة و73 ألف بالغ فوق 70 في الصين وحدها جرى إنقاذها».

اليوم السابع في 18-3-20 + اندبندنت عربية في 23-3-20.

4- مآثر بيولوجية:

لاحظ علماء رصد الزلازل، في مناطق العالم المختلفة، أن القشرة الأرضية، قد أخلدت إلى الراحة، والاستقرار، بعد توقف ملايين السيارات، والقطارات، والشاحنات، والطائرات، عن الحركة، والتي كانت تهز الأرض هزًّا، وترجها رجًّا، وتسبب لها كثيرًا من التصدعات، المسببة للزلازل.

وأشار توماس لوكوك، الجيولوجى وعالم الزلازل فى المرصد الملكي في بلجيكا، إلى هذه الظاهرة لأول مرة فى بروكسل، حيث تشهد بروكسل انخفاضًا بنسبة تتراوح من 30% إلى 50% في الضوضاء الزلزالية المحيطة منذ منتصف مارس (آذار).

اليوم السابع في 3-4-20.

5- مآثر أسرية:

أتاح حظر التجول، في كثير من بلدان العالم، وحبس الناس في بيوتها، إلى التفاف أفراد الأسرة بعضهم حول بعض، وقد يكون هذا لأول مرة يحصل في حياتها، أن يجتمع جميع الأفراد، الأم والأب والأولاد، وقد يكون معهم الجد والجدة، وغيرهما، تحت سقف واحد، ولأيام عديدة، والتي لم تحصل من قبل، إلا في الأعياد، ولساعات قليلة.

مما أدى إلى تجديد الحب، والود، والوئام بينهم، والاطلاع على مشكلات كل فرد منهم، واستعادة ذكريات الماضي، والتحدث عن المستقبل، ووضع الخطط بالتشاور معًا، للنجاح في عمل من الأعمال المستقبلية.

القسم الثاني: الفضائح

1- فضيحة النظام الغربي عمومًا

كان الإعلام الغربي، المسيطر على الدنيا كلها، يصور النظام الغربي، طوال العقود الماضية، بصورة جميلة، جذابة، براقة، وأنه يتربع على قمة الرقي، والحضارة، والعلم، وأن الخدمات الطبية عنده، في غاية الدقة، والمستلزمات الطبية، متوفرة في كل لحظة، والجهاز الطبي من أطباء وممرضين، في أعلى الكفاءات، وأعلى الجاهزية، لتقديم الخدمات الصحية بسرعة، مهما كان عدد المرضى.

فجاء هذا الوباء، فأزال القشرة التجميلية، التي كان يتغلف بها، وأظهر ما تحتها، من قبح، وهشاشة، وضعف النظام على جميع المستويات.

وكشف عن أنه نظام نمر على ورق فقط.

وفي الواقع، نظام متخلخل، متفتت، ولديه عجز شديد، في عدد الكادر الطبي، مما جعله يستجدي المساعدات الطبية من الدول الأخرى، وجعل أمريكا تناشد الأطباء للقدوم إليها، وتفتح أبوابها على مصراعيها، لاستقبال الأطباء من الدول الأخرى، مع إغراءات، وتشجيعات، وتسهيلات في الحصول على التأشيرة، ومزايا عديدة.

وتجاوبًا مع المناشدات، والاستغاثات، قامت دولة فقيرة في القرن الأفريقي الصومال، فأرسلت حوالي 14 طبيبًا إلى إيطاليا، وأرسلت قطر شحنات من المساعدات الطبية، إلى إيطاليا أيضًا.

2- فضيحة سقوط الأخلاق الغربية

حينما تتعاقد دولة أوروبية، مع دولة أخرى لشراء كمامات، فتمر هذه الشحنة بدولة أوروبية أخرى، وإذا بها تسطو عليها، وتغتصبها لصالحها، بعمل قرصني متكامل الأركان، مثلما حدث مع فرنسا.

«وفي السويد، اتهمت شركة مولنليك الطبية أمس السلطات الفرنسية بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية التي استوردت من الصين لصالح إيطاليا وإسبانيا».

«وقال سيناتور الشؤون الداخلية في حكومة ولاية برلين، أندرياس غييسل، في بيان، إن الولايات المتحدة استولت على مئتي ألف كمامة طبية من نوع «FFP-2» بالعاصمة التايلاندية بانكوك، كانت قد اشترتها ولاية برلين لمواجهة وباء كورونا».

الجزيرة في 4-4-20

«واتُهمت الولايات المتحدة «بالقرصنة الحديثة» بعد تحويل مسار شحنة من الأقنعة الموجهة للشرطة الألمانية».

وفقًا لصحيفة «الجارديان» البريطانية.

هذا هو الصراع على الحياة، بين الدول الراقية الغنية، وسطو، وقرصنة بينها، كل يريد مصالحه الخاصة به، ضاربًا عرض الحائط، بكل المواثيق، والاتفاقيات الدولية، التي وضعوها، وفرضوها على الآخرين.

3- فضيحة الاتحاد الأوروبي

أظهر هذا الوباء، هشاشة، وضعف، وخواء هذا الاتحاد، وفقدان التعاون، والتكافل، والتضامن بين أعضائه.

فإيطاليا وإسبانيا تستغيثان به لنجدتهما، ولا مجيب، بينما تأتيهما المساعدات، والإعانات، من دول أخرى خارج الاتحاد، مثل الصين، وتركيا، وقطر، والصومال تلك الدولة الفقيرة الجائعة، والمحتاجة أصلاً إلى المساعدات، فتؤثر على نفسها، وترسل أطباءها القليلين إلى إيطاليا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد