منذُ بداية سنة (2020)م، وظُهور جائِحةُ كورونا في العالم، ظهرَ جليًا أن هنالِكَ تحدياتٍ كبيرةٍ تواجهُ البشريةَ جمعاء، وظَهر أمام الجميع نقاطُ ضعفٍ في كثيرٍ منَ الأنظِمةِ الصِحّيةِ والاقتصاديةِ والتشريعيةِ في العالمِ.

وَقَدْ تَوَّجَهَ الكثيرُ منَ الخُبراءِ في العالمِ لتحليلِ الأنظمةِ العالميةِ من خلال البحثِ والتمحيصِ لتحديد نقاط الضعفِ تلكَ في كلِ جانبٍ من جوانبِ الحياةِ، وخاصة تلك الدول التي انتشرَ فيها الوباء وبقوة. ولعل العراق من أكثر الدول التي تحتاج إلى إعادة تقييم وتقويم للوضع في البلد، حيث أظهرت جائحة كورونا وجود خللٍ واضحٍ وعميقٍ في كثيرٍ من الجوانب الحياتية، ابتداء من الخدماتِ الصحّيةِ ومرورًا بالثقافةِ المجتمعيةِ وثقافة تطبيق القانون والنظام الاقتصادي وقوانين حمايةِ العامل والمرأَة والأُسرة وقانون حمايةِ المُنتَجِ الوطَّنِي، وغيرها من الجوانِب التي أظهَرتْ جليًا ضُعف إمكانياتِ العراق كدولةً في مواجهةِ الأَزماتِ، وبالرغم من المواردِ الهائلةِ التي يملِكُهَا البلد وبدايةً؛ سنبدأُ مع النظامِ الصحي وذلك لسببين، الأَول: إنه ضمن تخصصي الدقيق، وثانيًا: لأن النظام الصحِّي هو النظام الأساسي في التعامل مع جائحة كورونا وقبل الدخول في النظام الصحي العراقي والذي هو نسخة عن النظام الصحي البريطاني؛ نذهب في قراءةٍ سريعةٍ لبعضِ الأرقام للنظم الصحّية في عددٍ من الدولِ التي تَتَّبِعُ النظامَ الصِّحيِ البريطاني.

– متوسط عدد الأَسِرَّة في المستشفيات لكل ألف مواطن هي خمسةُ أَسِرَّة بينما في العراق يوجد نصفُ سريرٍ لكلِ ألفِ مواطنٍ.

– متوسط عدد الأَطباءِ في العالمِ هو 20 طبيبًا لكل أَلف مواطنٍ بينما في العراق يوجد طبيبانِ لكلِ أَلف مواطنٍ.

– متوسط الإِنفاق الحكومي في العالم في القِطاع الصّحي هو مايقاربُ 1500 دولار سنويًا لكل مواطن أَما في العراق فالإِنفاق الحكومي لايتجاوز 150 دولار لكل مواطن تُصرف على القطاع الصحّي.

وإِذا أَردنا ان نجِدَ حَلاً لهذهِ المشكلةِ يجبُ علينا أَن نَدرُسَ طُرُقَ الدولِ المجاورةِ لنا وكيفية إِدارتها للصحة لِنجد أَن الموضوع في الخدمة الصحية يعتمد كليًا على توفير الموارد المادية والبشرية، ولذلك سنبدأُ اليومَ بطرحِ حلولٍ لمشكلة التمويل للنظام الصّحي في العراق، والذي يَعتمِدُ في أَغلبهِ على التمويلِ من خلال جمع الضرائِب من الناسِ وهذا النظام يحتاج إلى دولة قوية ومراقبة مستمرة وهو أَصعبُ الأَنظِمة، ولذلك نجِد أن العراق اليوم هو ثَالثُ أَسوءِ دولةٍ في تقديمِ الخدمةِ الصِّحيةِ في العالمِ.

النظام الثاني، وهو نظامُ التأمينِ الصّحيِ الاجتماعيِ والذي يَعتمدُ على أَن يقومَ الفردُ بدفعِ مبلغٍ معينٍ سنويًا للتأَمينِ على صحتهِ وتقومُ الدولةُ بدفعِ أجورِ التأَمينِ لغير القادرين على دفعِ تلك الأجور مقابل خدمة صِحّية ممتازة، وبالطبع فهنالك عدةُ فوائدٍ لهذا النظام منها:

1- تطوير النظام الصحّي وخاصة القطاع الخاص مما يجعل الخدمة الصحّية معتمدةٌ على دعمٍ ماليٍ مستمر.

2- توفير مراقبة شديدة على الأَموالِ المصروفةِ لأَن هذهِ الأَموال المصروفة من قِبَلِ شركاتِ التأَمينِ يجبُ أَن تُدقق وتُراقب وليست مثل الأَموالِ المصروفةِ من الدولةِ والتي عادة لا رقيبَ لمصروفاتِهَا.

3- تخفيفُ الزخمِ على المستشفياتِ الحكومية باعتبار أَن المواطن سَيُراجعُ القطاع الخاص بتكاليف أَقل وبشكل مدعوم حكوميًا.

4- وجود هذا النظام لدفع تكاليف الصحّة سَيُعطي حافزًا للأطباءِ للعمل في العراق، وسيساعد على عودة الكثير من الأَطِباءِ العراقيين وحتى الأَطِباءِ الأَجانبَ، مما سيزيدُ في عددِ الأَطِباءِ في العراق.

ولهذا نرى أن وجود نظام التأَمين الصحي الاجتماعي هو حجرُ الزاويةِ، لإنقاذ النظام الصحي في العراق وتقديم أَفضل نوع من الخدمات الطبيةِ، ويمكننا ان نأخذ من الأُردن أو تركيا نموذجًا للنظام الصحّي، حيث إن النظام الصحّي للدولتينِ قد حققا نجاحًا باهرًا، ولكون البيئة العراقية الصحّية والاجتماعية والاقتصادية تُشبه إلى حدٍ كبيرٍ البيئةَ في هاتينِ الدولتينِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد