يعيش العالم حاليًا موجة من الذعر الهائل، نتيجةً لانتشار جائحة فيروس كورونا في حوالي 202 دولة حتى وقتنا الحالي مصيبة بذلك أكثر من مليون شخص في جميع أنحاء العالم. بدأ الفيروس في منتصف ديسمبر العام الماضي في مدينة ووهان الصينية، متجاوزًا جميع الحدود الدولية ومجتاحًا للعالم كالطوفان.

ومع هذه الأجواء، استعاد العالم ذكرى أوبئة حدثت على مر التاريخ، خاطفةً معها أرواح الملايين ومسببة دمارًا بشريًا واقتصاديًا هائلًا للشعوب الموبوءة. كل هذا جعلني أتذكر اقتباسًا من رواية اليوم السادس للروائي أندريه شديد، التي تحدث فيها عن فترة وباء الكوليرا، بادئًا إياها بمقولة أفلاطون فى محاورة جورجياس: «استمع.. ستظن أن هذه أسطورة، ولكنها في رأيي رواية منقولة: فاستمع إلى ما سأتلوه عليك على أنه حقيقة».

اسمح لي، عزيزي القارئ، أستعرض معك في مقالي هذا، بعضًا من هذه الأوبئة التي هزت العالم أجمع والدروس التي تعلمناها منها:

1- الإنفلونزا الإسبانية (1918م-1920م)

تعد من أشد الأوبئة فتكًا في تاريخ البشرية بحصدها قرابة 50 مليون روح في مدة تقدر بالعامين فقط، متجاوزة بذلك عدد ضحايا الحرب العالمية الأولى. بدأ الفيروس في عام 1918 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي تعد واحدة من أسباب انتشاره. حيث كان يعيش الجنود الموجودون على الضفة الغربية للحرب في خنادق ضيقة للغاية ذات بيئة رطبة وقذرة، ومع بدأ ظهور الفيروس، انتشر كالنار في الهشيم بينهم وزاد الأمر سوءًا عندما عاد هؤلاء الجنود إلى أوطانهم حاملين معهم الفيروس وناقلين إياه لأهاليهم والأشخاص المحيطين بهم. تعود سبب تسمية هذا النوع من الإنفلونزا بالإسبانية، إلى أن إسبانيا كانت من أوائل البلاد المصابة بهذا الفيروس.

2- الطاعون الأنطوني (165م-190م)

وباء ضرب الإمبراطورية الرومانية، ليجمع معه عددًا من الأرواح يقدر بحوالي 5 ملايين شخص. لم يستطع العلماء والمؤرخون الوصول للسبب الحقيقي وراء هذا الوباء، لكن يشتبه البعض إنه قد يكون الجدري أو الحصبة. يرجع سبب تسميته بالأنطوني نسبةً إلى الأسرة الحاكمة في هذه الفترة وهم الأنطونيين.

3- الطاعون الأسود (1347م- 1352م)

يطلق عليه أيضًا الموت الأسود، أو الموت الأعظم. قتل أكثر من ثلث قاطني قارة أوروبا، وتقدر أعداد الضحايا بما يتراوح بين 75-200 مليون شخص. يتسبب في مرض الطاعون بكتيريا تعيش في القوارض، لذلك كانت الفئران هي السبب الرئيسي في انتشاره بهذه السرعة بين سكان قارة أوروبا. وُصِفَ هذا الوباء بالأسود كناية عن ذعر الناس منه ومقدار الخراب الذي خلفه وراءه، ويعتبر الطبيب الألماني يوستوس هيكر أول من قام بوصفه بذلك، وهذا في كتابه الموت الأسود في القرن الرابع عشر. وكأنه رفض أن يتخلى عن البشرية دون أن يبعث المزيد من الخراب، فقد قُتِلَ على إثره الكثير من اليهود على يد قاطني الدول الموبوءة وذلك لاعتقادهم أنهم السبب في غضب الرب ومعاقبته لهم بذلك الوباء.

4- الكوليرا (فترات زمنية متباعدة)

ضرب وباء الكوليرا العالم في 7 فترات، أبرزها كان الوباء الخامس الذي تفشى في الفترة بين عامي 1881–1896 في عدة دول منها إيران ومصر الذي أودى فيها بحياة أكثر من 58 ألف شخص. يتسبب في هذا الوباء جرثومة تُدعى بضمه الكوليرا، تنتقل إلى البشر عن طريق الطعام أو الشراب الملوث، كما إنها معدية بين البشر أيضًا. لم ينته مرض الكوليرا نهائيًا من العالم حتى هذه اللحظة، لكن تناقصت نسبة الوفاة إثره مع تواجد الرعاية الطبية الجيدة وارتفاع الوعي بين الناس. ولعل أبرز الأعمال الأدبية التي ذكرت هذه الفترة هي رواية الحب في زمن الكوليرا للروائي الكولومبي جابريال جارسيا ماركيز.

5- الجدري (1515م-1630م)

وفقًا لكتاب الأوبئة والتاريخ لكاتبه شلدون واتس، فقد ضرب وباء الكوليرا العالم أجمع ولكن الضرر الأكثر أصاب الأمريكتين خاصة، اللتين وصلهما المرض مع تدفق أشخاص من شبه جزيرة إيبريا، والحاملين للمرض معهم، مما أدى إلى إبادة شبه جماعية للعديد من الشعوب فيهما، وهجرة الكثير من القبائل فرارًا من هذا الكابوس. ويعد فيروس فاريولا هو المتسبب الأول في هذا المرض، الذي ينتقل بين الأشخاص إما مباشرة عن طريق الاختلاط أو عن طريق الأطعمة الملوثة به.

دروس من التاريخ

على الرغم من الآثار السلبية العديدة لكل هذه الكوارث الصحية، إلا أن العالم لم يخرج خالي الوفاض من هذه الأزمات، وهذا حسب تقرير نشره موقع كوورتز، والذي أوضح فيه أن الشعوب قد تعلمت درسًا جديدًا بعد مواجهة كل وباء ساعدها فيما بعد على حسن الإدارة لأزمات أخرى.

طبقًا لما قاله دكتور جون نيكولس، أستاذ في علم الأمراض السريرية في جامعة هونغ كونغ (HKU)، فإن العالم استفاد بعد اختفاء مرض سارس، والذي ظهر في الصين عام 2002 و قتل أكثر من 8000 شخص وقتها، بأن النظافة هي واحدة من أهم عوامل الدفاع ضد الفيروسات والأمراض، كغسل اليدين جيدا، والذي كان له أثر من أهم الآثار في تباطؤ الإصابة بفيروس سارس. كما تعلمنا أيضًا من وباء الكوليرا، والذي تفشى بشكل مرعب بين الأشخاص لقلة الوعي السائد بأهمية النظافة، أن نظافة المأكل والمشرب هي واحدة من أهم عوامل التصدي لانتشار الفيروسات.

تلقى العالم أيضًا درسًا في أهمية التغيرات المناخية في مواجهة الفيروسات، عقب مواجهة فيروس H1N1، بأن بعض الفيروسات قد تصل إلى ذروة نشاطها في الأجواء الباردة كالشتاء، ثم تنحسر في مواجهة الحرارة والرطوبة، وهذا ما يأمله العالم بأن يقل نشاط فيروس كورونا مع ارتفاع درجات الحرارة، ولكن هذا لا يعني بأنه سيختفي نهائيًا، ولا يعني إهمال قواعد النظافة التي تعد حاليًا سلاحنا الأول في مواجهة COVID-19، خاصةً في غياب العلاج اللازم له.

أعتقد، في رأيي المتواضع، أن العالم لن يستطيع تخطي حاجز فيروس كورونا دون النظر إلى التاريخ والتمعن فيه جيدًا، تفاديًا لأخطاء الماضي، وبحثًا عن الوسائل الأمثل لوقف تدفق هذا الوباء المستجد، وهذا حتى يستطيع العلماء التوصل إلى علاج ولقاح مثاليين للتصدي له.

و أخيرًا وليس آخرًا، فيجب عليك عزيزي القارئ أن تحافظ على نظافة يديك وذلك بغسلهما جيدًا باستمرار لمدة لا تقل عن 40 ثانية، والابتعاد عن التجمعات والتزام البيت بقدر المستطاع، حتى يمكننا جميعا تخطي هذه الفترة العصيبة والوصول إلى بر الأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيروس, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد