كورونا: الجهل المقدس والمناعة الفكرية

مما لا ريب فيه، أن العالم، اليوم، يعيش وضعًا استثنائيًّا على جل المستويات، صحيًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا…؛ بسبب انتشار فيروس قاتل أطلق عليه اسم covid-19، والذي أعلنته منظمة الصحة العالمية وباء عالميًّا PANDEMIC، لكن هناك ثلة من التساؤلات حول ما أحدثه هذا الوباء، من تداعيات سلبية، فضحت إلى حد كبير مجتمعنا الغارق في الجهالات و الأضاليل.

فهل من مناعة فكرية لمواجهة أزمة كورونا سيكولوجيًّا واجتماعيًّا؟ وأي سبيل يمكن اللجوء إليه لتخفيف أضرار تداعيات كورونا على مستوى الثقافة السلوكية؟

كورونا والجهل المقدس

عندما نعود إلى تأصيل هذا المفهوم الخلاق؛ أي الجهل المقدس، نجد اختلافات بين الكتَّاب حول أول من استعمله، فالروائي الجزائري واسيني الأعرج يرى أن صاحبه هو الكاتب السياسي الفرنسي أولفييه روا صاحب كتاب الجهل المقدس، وليس المفكر الجزائري محمد أركون كما يعتقد الكثيرون، دون الغوص في هذه الإشكالية الكبيرة، ليسمحا لي كل من أركون وأولفييه باستعمالنا هذا المصطلح، وإن كنت سأوظفه في سياق مخالف ومغاير لتوظيفاته التقليدية.

إن كورونا أماطت اللثام عن معضلات خطيرة منتشرة بشكل غفير بأحيائنا، جهل مقدس، مركب ومؤسس، طفا على الواجهة بعدة أشكال ومظاهر، غياب لأدنى ثقافة صحية ممكنة، عدم الامتثال للسلطات الموكل إليها دور حفظ الأمن الصحي، انتشار الإشاعة، قصر فهم الناس معنى حجر صحي، تبخيس دور العلماء والأطباء والأساتذة، نشر ثقافة الميوعة من خلال استغلال الفن وتلطيخه بالعفن، اختفاء قيم الموعظة والنصح، الفهم الخاطئ وغير السليم للدين، إنشاء تجمعات بشرية بغرض النميمة والحديث عن زلات الناس، استغلال بعض الشركات للوضع ورفعها للأسعار والمتاجرة بالآلام البشر، غياب دور الإعلام الحقيقي الذي يتجلى في التثقيف، ورفع حالات اللبس وبيان المصداقية.

كلها إذن أعراض قاتمة لظاهرة الجهل المستشري في زمن كورونا، والأعتم أن الناس يرون ذلك بنظرة قدسية.

إن غياب الأسرة، والمدرسة، والإعلام كمؤسسات تؤسس هوية المنتسبين، عن لعب أدوار طلائعية في التنشئة الاجتماعية للأفراد، جعلا الساحة المجتمعية مفتوحة، على مصراعيها، أمام كل المتربصين والمتاجرين بالجهالة المقدسة، وصناع التفاهة، حتى أضحى التافهون صناع قرار،  فأُعدمت كل مظاهر الثقافة النيرة، وهجر الأعلام والعلماء وارتكنوا في الأقباع، فما كان لحال هذا المنجمع (المجتمع) إلا أن يصاب بالعمى المنظم. كلها أسباب على من يبتغي النهوض بأقل الأضرار أن يقف وقفة تأمل في حالها، فداء كورونا أيقظ الجميع، وأعطى درسًا لا ينسى، فحتمًا هنا لا فعالية لسياسة النسيان.

كورونا والمناعة الفكرية:

إن الحديث عن الثقافة السلوكية لمواجهات تحديات الوضع في عصر كورونا، تستدعي التمكين لمناعة فكرية تتجسد فيها ثقافة ضبط النفس، والترويح عنها بقراءة كتب الفكر والعلوم والدلائل الصحية، والوقائية؛ لاكتساب مضادات نفسية، ومقاومة الهلع من ذلك الذي سيأتي حتمًا وهو الموت. وإدراك آثار هذه الجائحة على الصحة النفسية في مجتمع ما بعد الوباء.

ولأجل ذلك يقتضي الوضع، مجبرين، غير مخيرين، الرجوع إلى الفلسفة، أم العلوم، التي همشت بفعل فاعل، حيث هدفت تاريخيًّا إلى تحقيق النضج العاطفي في الحياة الانفعالية العامة للإنسان، وإخضاعها للعقل، كما تعمل على إثارة العقل ودفعه للنشاط، وذلك بنقد ما وصل إليه العلم والواقع الحسي، وفي هذا قال برتراند راسل: «إننا بفضل الفلسفة نعرف أن هناك أشياء كانت في الماضي محل يقين علمي لا يتطرق إليه الشك، لكن تبين فيما بعد أن ذلك اليقين خطأ فادح».

إذا انطلقنا من فكرة الفيلسوف الروسي مكسيم غوركي إذ يقول: «لا تستطيع أن تفعل أي شيء بلا فلسفة؛ لأن كل شيء له معنى خفي علينا إدراكه». سنجد أنفسنا أمام مسلمة مفادها أن كل فيلسوف هو طبيب، كيف لا وفكر ابن سينا حي يرزق، إلى اليوم، في أعتى الجامعات العالمية المهتمة بتطوير البحث العلمي.

فالعلاقة بين الفلسفة وتقدم المجتمع علاقة طردية، فكلما كانت للفلسفة مكانة في المجتمع، كان المجتمع متقدمًا ومتطورًا، والحال أنها لا تظهر ولا تتطور إلا حيث يوجد التقدم الحضاري.

من الفلسفة اليونانية والفلسفة المسيحية والإسلامية، إلى الفلسفة الحديثة، يمكن أن ننهل نوعًا من التداوي من تدعيات هذا الفيروس، عبر تتبع مسار الزمن النفسي للواجب الأخلاقي في الإنسان، كذات متفاعلة مع المحيط الخارجي وما ينتجه من تقلبات تستدعي المقاربة السليمة، وفق قواعد عقلانية مبنية على أساس علمي رافض لكل الخرافات والأناشيد الميتة، إذ يكون السلوك الحسن والتحلي بالقيم الإنسانية طموحًا ومكمن الشفاء.

وكثيرًا ما قامت الفلسفة بدور المصل في بعض فترات التاريخ البشري، من خلال معالجة أوضاع العالم المعاصر، ومواجهة مشكلاته التي وصلت إلى حد الأنانية والغطرسة في عصر العلم وسيادة النزعة المادية وسيطرتها على القيم الأخلاقية الإنسانية والقيم الروحية، ودعوة الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث إلى الإخاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء البشرية جمعاء، دون النظر إلى اختلاف أديانهم، وثقافاتهم، وأعراقهم، ومستواهم الحضاري، عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، والدعوة إلى نبذ الحروب والاقتتال بين الشعوب والأمم والدول، وهي ما تزال، الفلسفة، اليوم تلعب دورًا بارزًا في إصلاح الاختلالات التي سادت العلاقة بين الدول والأمم، من خلال دعوة العديد من المفكرين العالميين، أمثال نعوم تشومسكي، آلان دونو…، إلى مواجهة الهيمنة الاستعمارية للقوى الكبرى عبر العولمة بصورها المختلفة.

كما لا يمكننا إغفال الجانب الروحي، الذي لعب دورًا لا يستهان به في التاريخ النفسي للإنسان، فالعودة إلى الدين حاجة ملحة في ذات الظرفية، وما تصريح بعض رؤساء الدول المتضررة من الجائحة إلا خير دليل على ذلك ؛ فالإنسان كائن ضعيف بطبعه، هي مسلمة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، مهما بلغ به التطور العلمي والتقني.

زد على ذلك أن مثل هذه الأزمات، تدفع المرء إلى رد الاعتبار لعلم التربية، حيث فتحت المجال لتمرير خطابات كانت مركونة إلى وقت قريب في زاوية بلا قائمة، تحت وقع الصفعة السيكولوجية التي أيقظت النظافة من الإيمان، والوقاية خير من العلاج، وأمثالهما من أسفار النسيان، ومستودعات الإهمال.

وفي الأخير، لا يسعنا المجال، للمزيد من التفصيل، ما نود تأكيده أكثر، هو أننا في حاجة إلى إعطاء كل ذي حق حقه، علينا الحد من صناعة الجهل والتمكين للفكر، ورد الاعتبار لثقافة الاهتمام بما هو نفسي، لأن الرأسمالية وفروع التقنيات، أفرغت البشرية من محتواها الأخلاقي والروحي، وجعلتها هائمة بين الاستهلاك والجمود القيمي، لا تعرف ما تأخر ولا ما تقدم أمام تفشي الأزمات، آخرها وباء covid-19.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد